مقالات > > هل يمكن توثيق العلاقة مع دمشق وبغداد من دون "تطبيعها" مع طهران؟

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-01-05
كتب عريب الرنتاوي

تطوير العلاقات الثنائية مع كل من سوريا والعراق، هو أحد "المخارج" المقترحة من الأزمة الاقتصادية التي تعتصر الأردن والأردنيين ... تطبيع العلاقات مع البلدين الجارين، ظل على الدوام، مطلباً لفئة من الأردن، تزايدت واتسعت باطراد، قبل أن تقرر "الدولة الأردنية" سلوك هذا الطريق، وقد اتُخِذَت خطوات فعلية في هذا الاتجاه، تُوجت بالانفتاح المتحفظ على دمشق، وزيارة رئيس الحكومة إلى بغداد.
 
في العلاقة مع دمشق، أحسب أن التردد الحكومي في "تسليك" الطرق مع العاصمة السورية، قد طال واستطال، حتى باتت "عودة الروح" لخط عمان – دمشق، مجرد خطوة واحدة من خطوات عديدة، على درب "الحجيج" العربي صوب دمشق ... لو فعلنا ذلك من قبل، ولو كانت لنا الريادة في تفتيح هذا الطريق، لربما كانت عائداتنا من استئناف العلاقات الثنائية أكثر جدية وجدوى، ولكننا آثرنا التحليق من ضمن السرب العربي "إياه"، والنتيجة أن الحصاد لن يكون على قدر التوقعات والرهانات.
 
أما العلاقة مع بغداد، فقد تعافت كثيراً منذ "زوبعة "الهلال الشيعي" و"الحزام الإيراني"، مواقف فائضة عن الحاجة، وثمة خمسة أو ستة دول عربية أولى منّا بطرحها وتصدر صفوف التحذير والتنبيه من "التهديد الإيراني" ... لكن ما علينا، وما يهم الآن، أن الأردن نجح في إعادة نسج علاقات طبيعية مع حكومتي حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، وعلاقاته بالمكونين السني والكردي "فوق طبيعية" أصلاً ... على هذا المسار، يمكن عقد بعض الرهانات، وإن بقدر من الحذر والتحفظ.,
 
مصدر التحفظ وسبب القلق، إنما يعودان لعلاقاتنا "السيئة نسبياً" مع إيران، وإيران كما يعرف القاصي والداني، لها نفوذ مؤثر في كل من بغداد ودمشق، ومن السذاجة انتظار "ازدهار" العلاقات الثنائية مع كلا البلدين، من دون "تطبيع" العلاقات الأردنية – الإيرانية، ولا اقترح هنا على وجه التحديد، ما هو أكثر من ذلك، ولا أحسب أن أحداً في العواصم الثلاثة، ينتظر من عمان ما هو أكثر من ذلك.
 
لقد أدت موجات التدهور المتعاقبة في العلاقة بين عمان وطهران، إلى "تخريب" و"تعطيل" الكثير من التفاهمات والاتفاقات التي أبرمها الأردن مع بغداد، سيما في زمن حكومتي المالكي، وهذا أمرٌ معروف للقاضي والداني، ولقد صارحت به أطراف عديدة، المسؤولين في بلادنا بهذه الحقيقة ... لكن الأردن آثر سلامة علاقاته مع الحلفاء والأشقاء، على أمل ان يهبوا لنجدته ومد طوف النجاة له في محنته الاقتصادية الخانقة، وهذا ما لم يحدث، وقد آن الأوان لأن نتحرك بوحي من حساباتنا ومصالحنا الوطنية، من دون إفراط أو تفريط ... فلا إفراط في التقرب من إيران، ولا تفريط بعلاقاتنا التاريخية مع الحلفاء والأشقاء على الساحتين الإقليمية والدولية.
 
اتخاذ القرار بهذا الصدد، أمرٌ مهم وضروري، لكن اتخاذه في الوقت المناسب، أمرٌ لا يقل أهمية على الإطلاق، فما قيمة أن تنفتح اليوم على دمشق، بعد أن انفتح عليها الجميع، وما قيمة أن تنفتح غداً على طهران، بعد أن ينفتح عليها الجميع كذلك، والأرجح أن أمراً كهذا، يمكن أن يحدث، بل ويرجح أن يحدث، وربما تأخذنا إحدى "مفاجآت" ترامب على حين غيرة، ومن دون أن تترك لنا الوقت الكافي لتحقيق قصب السبق، وهو -ترامب- الذي لا يكف عن التعبير عن رغبته في استئناف التفاوض مع إيران، وفي كل "تغريدة" من تغريداته، يتخلى عن واحدٍ من شروطه المسبقة الثلاثة عشرة للتفاوض مع إيران والتطبيع معها.
 
وحسناً فعل الأردن، بفتح صفحة جديدة في علاقاته مع أنقرة، على الرغم من التحفظات المعروفة لبعض الأشقاء (ليس للحلفاء تحفظات هنا)، ويمكن أن تشكل هذه سابقة تشجعنا على اتخاذ خطوة مماثلة مع طهران، وبما يساعدنا على إضفاء مزيدٍ من "التوازن" في علاقاتنا الإقليمية، الأمر الذي من شأنه – إن حصل- أن يسهم في "تعويم" الأردن فوق المحاور المتحاربة، وأن يحفظ له في الوقت ذاته، أعمق مصالحه الاقتصادية والتجارية مع دول الجوار العربي والإقليمي.