مقالات > > عن مسارات الإصلاح وأولوياته

مقالات - الدستور- التاريخ: 2019-01-03
كتب عريب الرنتاوي

لعشرين سنة خلت، احتل الإصلاح الاقتصادي مكانة الصدارة في سلم الأولويات الإصلاحية للدولة الأردنية ... هذا الحال لم يتغير اليوم، وثمة تجديد وتشديد على أهمية هذه الأولوية، حيث يحتل الإصلاح السياسي مكانة متراجعة، وفي مطلق الأحوال، يُنظر بدرجة عالية من الرضا والارتياح لما تم تحقيقه من إصلاحات سياسية في السنوات الماضية، فهل هذه المقاربة صحيحة؟ ... وهل يمكن الاستمرار في هذا الرهان بعد كل ما جرى ويجري من أحداث وتطورات محلية، أهمها حركة "الدوار الرابع" الممتدة منذ أيار الماضي وحتى يومنا هذا، وربما حتى إشعار آخر؟

وإذ تنطلق هذه "المقاربة" من الضغوط والإخفاقات الاقتصادية التي تعتصر المواطن الأردني، فإنها تعطي اهتماماً مشروعاً بأولوية مجابهة قضايا البطالة المتزايدة، خصوصاً في أوساط الشباب، وتفشي الفقر والتهام "خطوطه المتحركة" لشرائح متزايدة من المواطنين، فضلاً عن ضعف معدلات النمو وتفاقم عجز الموازنة وارتفاع المديونية الداخلية والخارجية، وغير ذلك مما يؤرق صانع القرار والمواطن سواء بسواء.

إن الانشغال بهذه الأولويات، والتعامل معها بوصفها من النوع الضاغط، وأحياناً "المُهدد" لأمننا الوطني وسلمنا الاجتماعي، هو أمرٌ لا يختلف بشأنه عاقلان ... لكن الاختلاف يقع بالضرورة، عندما يوضع الإصلاح الاقتصادي في تعارض مع الإصلاح مع الإصلاح السياسي، أو حين يجري الترويج بأن ما أنجزناه على المسار الأخير، كافٍ، وأن المزيد منه "قد لا يضر ولكنه قد لا ينفع كذلك".

إن الإحساس بالرضا عن مسار الإصلاح السياسي ومنجزاته، يصطدم بوقائع وحقائق صلبة وعنيدة، ومريرة كذلك، نكاد جميعاً نعترف بوجودها وإن بهذا القدر أو ذاك، منها: (1) ضعف الثقة، حتى لا نقول انهيارها، خصوصاً في أوساط الشباب، بالعملية السياسية الجارية في بلادنا، وبالمؤسسات التمثيلية التي تؤطرها (الأحزاب السياسية) أو المنبثقة عنها (المجالس المنتخبة من نيابية وبلدية وأخيراً اللامركزية) ... (2) اختلال العلاقة بين المواطن والدولة كما تفضحه الحراكات الشبابية ووسائل التواصل الاجتماعي، مع يترتب على ذلك من تآكل الأمل بالمستقبل، والميل للسلبية والعنف المجتمعي والرغبة في الهجرة وغير ذلك من ظواهر مؤذية ... (3) إحساس المواطنين، وبصرف النظر عمّا قد ينطوي عليه الأمر من مبالغات، بأن الفساد آفة، تضرب الدولة بمختلف مؤسساته وأجهزتها، وتحميل هذه الآفة القسط الأوفر من المسؤولية عن تعاستهم وأزمات اقتصادهم الوطني، حيث بات شعار محاربة الفساد، شعاراً ناظماً لكل أشكال الاعتراض والاحتجاج الشعبية والشبابية ... (4) ارتفاع سقوف المعارضات والهتافات في الحراكات الشعبية والشبابية وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، وازدياد الميل لـ"الخشونة" في التعبير عن الرأي المعارض، كما تجلى في بعض الوقائع وفي ردود الفعل الرسمية عليها، من اعتقالات وتوقيفات ومضايقات.

كيف يمكن التوفيق بين الارتياح لنتائج مسار الإصلاح السياسي من جهة، وكل هذه الظواهر من جهة أخرى، وهل نحن راضون فعلاً عن هذا المنجز، أم أننا أمام استمرار "حالة الانكار"، ومصرون على تأجيل الاستحقاقات المنتظرة منذ سنوات طوال.

ومما يزيد الطين بلّة، أن هناك من يخرج عليك بالقول: أننا جربنا مختلف قوانين الانتخاب والأحزاب ولم نفلح في تحقيق مرامينا ... والحقيقة أن هذا العذر أقبح من ذنب، والقائلون به يدركون أكثر من غيرهم، أننا لم نعط أي نموذج انتخابي حقه الكامل، وسعينا في استنساخه على نحو منقوص وحذر للغاية، بل وعلى نحو محكوم بعقد وهواجس، لا تمت بصلة لمشروع الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، بما هو "مواطنة فاعلة ومتساوية" و"دولة مدنية ديمقراطية" و"سيادة قانون".

ليس لدى الدولة، الكثير لتقدمه على مسار الإصلاح الاقتصادي، والوعود بانفراج وشيك التي تصدر اليوم، تذكر بوعود كثيرة صدرت في مراحل سابقة، وأي خطوات "نوعية" أو "اختراقات" على هذا المسار، تتطلب مزيداً من الوقت والجهد، وبعض عوامل النجاح على هذا الدرب، ليست بيدنا وحدنا، ولن يلمس ثمارها المواطن في غضون السنوات القليلة القادمة ... لكننا نستطيع أن نحصن جبهتنا الداخلية، وأن نعزز "جهاز المناعة" الوطنية، وأن نبعث بأمل وروج جديدين في أوساط شبابنا وشاباتنا، وأن نستنهضهم من جديد، إن نحن انطلقنا في مسار الإصلاح السياسي وتعزيز المشاركة واستعادة الثقة بالدولة والمؤسسات وتنمية العمل السياسي والحزبي والوطني، وتفعيل مؤسسات الدولة والمجتمع الرقابية من برلمان ومجالس محافظات وإعلام حر ومستقل، وقضاء نزيه وفعّال ومجتمع مدني شريك وقطاع خاص منتج وفاعل، إلى غير ذلك من عناوين تندرج في سياق الإصلاح السياسي، وتوفر لنا "شبكة الأمان" المطلوبة في مواجهة تحديات الأزمة الاقتصادية الخانقة.