مقالات > > مرة ثانية عن لقاء البشير وبشار

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-12-19
كتب عريب الرنتاوي

قلة فقط من المراقبين، قرأت زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير لسوريا، بوصفها أمراً سودانياً محضاً، يخص على وجه الحصر، كل من دمشق والخرطوم ... المراقبون حاروا وانقسموا، بين قائل بأن الرجل جاء موفداً عن "التحالف العربي" بقيادة السعودية والإمارات، وآخر رجّح أن الرجل حلّ في دمشق، بالأصالة عن نفسه ونيابة عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

مصدر الحيرة عائد لسببين اثنين: الأول؛ أن البشير يحتفظ بعلاقات وطيدة للغاية مع عواصم المحورين المتصادمين، فهو من جهة عضو نشط وفاعل في التحالف السعودي في الحرب ضد اليمن، وهو يقف على رأس الدولة التي قدمت أطول قائمة من الضحايا في أوساط جنودها وضباطها في تلك الحرب العبثية ... وهو من جهة ثانية حليف لصيق لتركيا بزعامة رجب طيب أردوغان، وقد منحها جزيرة سواكن لتجدد فوقها، الحضور العثماني الاقتصادي والسياسي والعسكري إن اقتضت الضرورة.

أما السبب الثاني لحيرة المراقبين؛ فيعود لموجة التقارب والتقرب من دمشق، والتي تجتاح عواصم عربية وإقليمية متصارعة، ولأسباب متناقضة في الوقت ذاته ... تركيا تقترب من الاعتراف بالأمر الواقع السوري الجديد، وتسلم على ما يبدو بأن الأسد مدعوماً من حليفيه الروسي والإيراني، خرج منتصراً من حرب السنوات الثمانية، وتركيا تجد مصلحتها ملتقية موضوعياً مع مصلحة النظام السوري، في التصدي للانفصالية الكردية المدعومة بقوة من إدارة ترامب.

أما المفارقة الكبرى، فتتجلى في كون دول التحالف العربي، التي ناصبت النظام في دمشق، أشد العداء، تبدو مدفوعة بدورها، وبقوة أيضاً، للتقرب من دمشق، وهي عبرت عن ذلك علناً، سواء بالمصافحة المشهورة بين الوزيرين البحريني والسوري، أو بتصريحات أنور قرقاش التي اعترف بها بمقارفة خطأ القطع والقطعية مع نظام الأسد، أو بالتغيير الملموس في "نبرة" عادل الجبير حين يتحدث عن دمشق... دوافع دول التحالف العربي للتقارب مع سوريا، تتمثل في مشاطرتها النظام كراهيته للإسلاميين، والإخوان منهم على وجه الخصوص، وعدائها المشترك لتركيا بزعامة أردوغان، وتوجهاتها الإقليمية التوسعية الداعمة للإخوان، فضلاً عن تردي هذه العلاقات على نحو غير مسبوق، على خلفية جريمة اغتيال الإعلام السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وما ترتب عليها من تداعيات وآثار.

والحقيقة أن العلاقات بين المحورين المذكورين: السعودي – الإماراتي من جهة والتركي – القطري من جهة ثانية، تتسم بكثير من التوتر والعدائية ... الرياض وأبو ظبي، ومن خلفهما القاهرة، لا تكتفيان باتهام أنقرة بدعم الإخوان ومحاولة لعب دور قيادي مهمين في المنطقة، بل بمحاولة توظيف قضية الخاشقجي لتقويض أمن المملكة واستقرارها وتأليب الرأي العام الدولي عليها ... وفي المقابل، فإن أنقرة تتهم الرياض وأبو ظبي بدعم الانقلابيين في 2016، والحرب على الليرة التركية، وأخيراً دعم جماعات انفصالية كردية وميليشيات عربية في مناطق شمال شرق سوريا وفي محيط منبج، وهو الأمر الذي تنظر إليه أنقرة، بوصفها تهديداً لوحدتها الترابية وأمنها القومي ... وهذه الخلافات ليست جديدة على أية حال، وإن كانت تتجدد وتتصاعد على وقع التطورات المتلاحقة في الإقليم.

لكن الأمر المفاجئ، الجديد وغير المتوقع، هو كيف ينجح عمر حسن البشير في جمع كل هذه الأضداد والنقائض فوق صفيح واحد ... كيف يقيم أوثق العلاقات مع دول متباعدة إلى هذا الحد، ومصطرعة على هذا النحو ... وهنا، نحن لا نتحدث عن علاقات عابرة أو عادية فحسب، بل عن علاقات فوق استثنائية مع الجانبين، فهو مع تركيا حليف استراتيجي يساعدها في فرض حضور سياسي- عسكري – أمني في البحر الأحمر، وهو مع الرياض، مقاتل شرس ضد خصمها الأول في خاصرتها الجنوبية: الحوثي، وهو يحشد من القوات البرية على الأرض، ما لم تحشده الدولتان الراعيتان والقائدتان للتحالف العربي في الحرب على اليمن مجتمعتين.

بم ذهب البشير سوريا وما الذي حمله لبشار، وباسم من تحدث، ومن هي الدول التي ستتبعه على مسار التقرب والتقارب مع سوريا ... أسئلة شغلت المراقبين في الساعات الأربع والعشرين الفائتة، ومن المتوقع أن تستمر في إثارة اهتمامهم حتى إشعار آخر.