مقالات > > الحاجة لإعادة تعريف "ميزتنا النسبية"

مقالات - الدستور- التاريخ: 2018-11-27
كتب عريب الرنتاوي

ليس في الأفق ما يدعو للتفاؤل بإمكانية إعادة بناء النظام العربي، نظام جامعة الدول العربية من جديد ... فكلما خلص هذا النظام من مشكلة هنا، انفجرت في وجهه مشكلة هناك ... ومعظم الدول العربية، الفاعلة منها والصغيرة، أخذت منذ زمن، تبحث لنفسها عن إطار إقليمي – دولي تتحرك من خلاله وفي إطاره، وعلينا أن نأخذ أمراً كهذا بنظر الاعتبار، ونحن نصوغ سياستنا الخارجية في بعديها الإقليمي والدولي.
 
لقد تبدلت الدول، وتبدلت معها كثير من القواعد الناظمة للعلاقة الإقليمية والدولية ... لقد تغيرت أوزان الدول بتغير وظائفها، وتبدل "الميزة النسبية" التي طالما تمتعت بها ... وما كان يصلح من قبل، لم يعد بالضرورة صالحاً اليوم، وما لم تعيد الدولة النظر "تعريف" نفسها وأدوارها ووظائفها وميزاتها النسبية، فإنها لن تنجح في الاستمرار بقطف ثمار كانت تجنيها في السابق، أو في الدخول بقوة عتبة النظام الجديد أو بالأحرى، "اللا نظام" الذي يحكم العلاقات الإقليمية على نحو خاص.
 
الأردن بموقعه الجيوبولوتيكي، نجح لسنوات وعقود، في تحويل "نقمة الجغرافيا" إلى "نعمة" ... لكن ذلك حصل لأسباب عديدة، أهمها: أنه نجح في بناء دولة كفؤة وفاعلة، مؤسسية، تحديداً في الجانبين الأمني والعسكري، وشيّد نظام إدارة مدني استجاب لاحتياجات مواطنيه ... تقدم في مجال التعليم والمهن، وتوفر على عناصر القوة الناعمة التي تحتاجها أي دولة، ومكّنته نجاحاته هذه، من تصدير هذه الخبرات، والقيام بأدوار لطالما احتاجتها دول شقيقة ناشئة، وتحديداً في الخليج.
 
صدّر الأردن مئات ألوف العالمين إلى الدول النفطية، واستفاد من تحويلات بمليارات الدولارات سنوياً... وبالنظر لكفاءة ومهنية أجهزته الأمنية والعسكرية، نجح في تلبية احتياجات عدد من هذه الدول، في لحظة فارقة في تاريخها، من عُمان وحتى البحرين والسعودية، وترتب على ذلك، ارتفاعاً ملحوظاً في مكانة الأردن على خريطة العلاقات العربية والإقليمية البينية.
 
وكان الصراع العربي – الإسرائيلي، مصدراً لدعم لا ينضب لـ "دول الطوق"، ومن بينها الأردن، يأتها من "دول الإسناد"، بقرارات ملزمة وشبه ملزمة صدرت عن القمم العربية المتعاقبة ... ولطالما نظرت دول الجوار الوازنة للأردن بوصفه سدّا ما بين إسرائيل والنفط، ومع انطلاق عملية السلام، تحولت "نظرية السد"، إلى "نظرية الجسر"، فكل من كان يريد أن يبعث برسائل أو يطلق إشارات لإسرائيل، كان يتعين عليه استخدام "الشيفرة" الأردنية لفعل ذلك، وكان ذلك أيضاً مصدراً من مصادر "الأهمية" التي أسهمت في حفظ التقارب وتطوير العلاقات الثنائية والجماعية بين الأردن وجواره.
 
لم نستفد الاستفادة القصوى من تلك الحقبة، حقبة "الثورة النفطية"، وإن كنا لم نبدد عائداتها سدى بالكامل كما يقول البعض مبالغاً ومتطيراً، أقمنا شبكة طرق ونظام صحي وتعليمي وأوصلنا الماء والكهرباء إلى كل تجمع سكاني مهما ضئل حجمه ... والأهم من ذلك، أن القطاع الخاص والأهلي، نجح في تحويل مليارات الدولارات من التحويلات، إلى مشاريع مدينة وسكنية وتجارية واستثمارية، لم تكن المدن الأردنية لتكون ما عليه اليوم من دونها ... بيد أن المؤكد أنه كان بمقدورنا أن نستفيد على نحو منهجي منظم، أكثر مما فعلنا، وأن نقود انتقالاً سلساً ومريحاً من دولة "الريع" إلى دولة الإنتاج، لو أننا توفرنا على الرؤية والإرادة.
 
المشهد الإقليمي تغير تماماً اليوم، وحاجة دول الجوار لنا تغيرت وتبدلت، وثمة من يجادل بأنها تناقصت على نحو جدي وكبير، ويستشهدون على ذلك بتناقص أموال الدعم وتراجع الطلب على "الخدمات الأردنية" وفي شتى المجالات، وهذا ما يفسر حالة البرودة والفتور التي تطبع العلاقات الأردنية مع عواصم شقيقة ومجاورة.
 
في مثل هذه المناخات، يتعين على الدولة بكافة مؤسساتها، أن تبحث عن خيارات وبدائل، وإن تتوقف مطولاً أمام أهم "ميزاتها النسبية" ... حاجة الخليج لدورنا في حفظ أمنه والدفاع عنه، لم تعد كما كانت، ونظرية "الجسر" لم تعد فعّالة كذلك ... وحاجته لخبراتنا في المجالات المدنية لم تعد كما كانت، سيما بعد تراجع مستوى التعليم والمهن والحرف في السنوات العشرين الفائتة في بلادنا.
 
يملي ذلك كله بحثاً معمقاً في سياساتنا الداخلية ... التعلمية والتدريبية والاجتماعية، مثلما يملي تفكيراً من خارج الصندوق في سياستنا الخارجية، ونظرة جديدة لأولويات علاقاتنا الخارجية وشبكة تحالفاتنا وشراكاتنا، وقواعد التحالف والشراكة ... يملي ذلك، بحث عن أسواق جديدة ومصادر جديدة لتبادلاتنا في شتى الميادين، سيما وأننا ندرك تمام الإدراك، أن أوزان القوى تبدلت وأولوياتها تتغير تبعاً لذلك، وكلما فعلنا ذلك على نحو أعمق وأسرع، كلما عظمنا الأرباح أو قللنا الخسائر على أقل تقدير.