مقالات > > إدارة ترامب وأزمة الخاشقجي... زاوية نظر أخرى

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-11-25
كتب عريب الرنتاوي

أن يكثر الرئيس الأمريكي من الحديث عن "موقع السعودية في الاستراتيجية الأمريكية"، وأن يُعلي من شأن مكانتها من منظور المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم، فهذا أمرٌ مفهوم، حتى وإن انطوى على كثيرٍ من المبالغة، مقصودة كانت أم غير مقصودة... وأن يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إقامة "فصلٍ تعسفي" ما بين جريمة اغتيال الخاشقجي من جهة وعلاقات بلاده مع لاعب إقليمي أساسي، وفاعل رئيس في اقتصاديات الطاقة العالمية، فهذا أيضاً أمرٌ مبرر، شريطة ألا يظهر كمن يضرب عرض الحائط، بكل منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية في السياسة والقانون الدوليين.

لكن أن ينتهي الأمر، إلى تعطيل مسارات التحقيق القضائي في جريمة نكراء، والتشكيك بنتائجه، والإسهام في تمكين مسؤولين رئيسيين عنها من الإفلات من العقاب، فتلكم مسألة لا يمكن التهوين من نتائجها الكارثية على صورة الولايات المتحدة في العالم، وعلى شكل ومحتوى العلاقات الدولية، ومستقبل مسار الحريات والحقوق والتحولات الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

وأن يُقيم الرئيس تماثلاً بين المملكة وولي عهدها، فهذا خطأ جسيم في إدارته للأزمة يلامس ضفاف الخطيئة ... ذلك أن العلاقات "التاريخية" و"الاستراتيجية" بين الرياض وواشنطن، بدأت عشرات السنين قبل محمد بن سلمان، ويمكن حفظها وإدامتها وتطويرها، لعشرات السنين مستقبلاً، به ومن دونه كذلك ... وفي مطلق الأحوال، فإن من غير المفهوم، أن تبني الولايات المتحدة علاقاتها وتحالفاتها مع المملكة أو غيرها، استناداً إلى "رجل واحد"، أياً كان هذا الرجل، ومهما كان موقعه ومنصبه.

على أن الأخطر من كل هذا وذاك وتلك، أن ثمة في البيت الأبيض من يدير أزمة اغتيال الخاشقجي، بوصفها "فاصلاً قصيراً" في سياق العلاقة المتصل والمتسق بين واشنطن والرياض، حتى أننا لا نرى تفكيراً جدياً، باستغلال هذه اللحظة، من أجل دفع القيادة السعودية لاتخاذ مواقف من شأنها إشاعة مناخات جديدة داخل المملكة أو في سياساتها الإقليمية ... إذ لم نشهد حتى الآن، جهوداً حيثية تبذل لإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير ونشطاء حقوق الانسان في المملكة، من رجال ونساء، كما أننا لا نرى سعياً حقيقياً، لفرض تغيير في آليات وأدوات ممارسة السلطة داخل المملكة.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن أكثر ما لفت الانتباه في تصريحات الرئيس ترامب، أنه لا يرى في السعودية سوى "قاعدة عسكرية كبيرة" للولايات المتحدة، ومصدرٍ للطاقة الرخيصة، وحليفٍ لولا وجوده، لكانت إسرائيل "في مأزق كبير"، من دون إبداء أية حساسية من أي نوع، لهذا الربط الضار سياسياً وأخلاقياً، بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وأكثر القيادات العربية استخفافاً بحقوق الانسان وتعدياً عليها ... الأمر الذي يفتح الباب لإعادة طرح سؤال، لطالما ظل مطروحاً في الأوساط السياسية والاجتماعية العربية، عن سر حماية واشنطن لأكثر الأنظمة ديكتاتورية وفساداً، والآن، إجراماً.

يدرك نشطاء حقوق الانسان في المنطقة العربية، أن من السذاجة مطالبة الولايات المتحدة، بالمقامرة بمصالحها الاستراتيجية والحيوية في المنطقة، نظير قيم حقوقية وإنسانية يناضلون في سبيلها ... بيد أنهم لطالما راهنوا على إحداث "الحد الأدنى" من التوازن بين القيم والمصالح، بين السياسة والأخلاق ... والمؤسف أن أداء إدارة ترامب في أزمة الخاشقجي، قد أسقط هذه الرهانات، وترك هؤلاء وحدهم في مقارعة أنظمة الطغيان والاستبداد، بل وجعل ظهورهم مكشوفة أمام شتى الأخطار، فطالما أن هذه الدولة أو تلك، بمقدورها أن تبرم صفقات تسلح فلكية مع واشنطن، وطالما أنها تنتهج سياسات تسترضي إسرائيل وتحظى بقبولها، فإن بمقدورها أن تفعل ما تشاء، دون خشية من حساب أو عقاب ... إنها حقاً، رسالة "مرعبة" لكل الذي يخاطرون بحريتهم وعيشهم وحيواتهم من أبناء وبنات هذه المنطقة من اجل الحرية والديمقراطية، إذ يتنامى في أوساطهم وعلى نحو غير مسبوق، إحساس عميق بـ"التخلي" و"الخذلان".

كان بمقدور واشنطن أن تترك التحقيق في قضية الخاشقجي يأخذ مجراه، وأن يشق طريقه صوب "العدالة الدولية"، وأن تضع السعودية أمام خيارين: إما محاسبة المتسببين الحقيقين في الجريمة، وإما مواجهة أوخم العواقب ... وكان يمكن لموقف صلب كهذا، أن يطلق داخل العائلة المالكة في السعودية، ديناميات جديدة، قد تنتهي بتغيير سلم القيادة فيها ... وكان يمكن لسيناريو كهذا، أن يحفظ لواشنطن صورتها "الويلسونية" من جهة، وأن تحتفظ بمصالحها ومصالح حلفائها مع المملكة من جهة ثانية ... لكن الإدارة ارتضت سلوك طريق التستر والحماية لرجل تقول أجهزتها الاستخبارية، أنه متورط في جريمة قتل الخاشقجي.

لقد أقامت واشنطن، ومن خلفها الغرب عموماً، الدنيا ولم يقعدوها لمحاولة اغتيال العميل الروسي المنشق سيرغي سكريبال، وقبلها وقف العالم على قدم واحدة بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري المروّعة في بيروت، وهذا أمرٌ مهم ورد فعل طبيعي، لكننا لم نر شيئاً مماثلاً كرد فعل على جريمة لا تقل هولاً وبشاعة ... لكأن الجريمة لا تكتمل أركانها إلا حين تصدر عن جهة غير صديقة لواشنطن، أما حين تصدر عن حليف أو شريك، فهي أمرٌ يمكن احتماله والقفز من فوقه، وإن بعد بضعة أسابيع من الاستنكارات والإدانات اللفظية التي لا تقدم ولا تؤخر.

كان بمقدور واشنطن، أن تتخذ من الجريمة مدخلاً لتسريع الحل السياسي في اليمن، ولكن بدلاّ من ذلك، رأينها تمنع التحالف السعودي – الإماراتي شهراً إضافياً، لاختبار محاولة جديدة للسيطرة على مدينة الحديدة ومينائها الاستراتيجية، وعندما أخفق آخر هجوم شامل على المدينة في تحقيق مراميه العسكرية، رأينا تسارعاً في أنشطة الوفد الأممي مارتن غريفيت ... ولا ندري أن كان اليمن سيستعيد أمنه واستقراره وعافيته، بعد الجولة القادمة من المشاورات في السويد الشهر المقبل.

وعلى الرغم من انتعاش الآمال بإمكانية حل الأزمة الخليجية، وإنهاء الحصار المضروب على الدوحة، كنتيجة غير مباشرة لتداعيات أزمة الخاشقجي، إلا أن دفاع الإدارة المحموم عن ولي العهد السعودي، أسهم في تبديد هذه الآمال، وأعاد شحن قادة دول الحصار، وتحديداً السعودية، بجرعة جديدة من المكابرة والعناد، فولي العهد السعودي، المطمئن لسلامة موقعه، والذي شرع في جولة خارجية وأكد مشاركته في اجتماعات قمة العشرين، آمناً مطمئناً، يجد نفسه وقد غادر عنق الزجاجة، وربما قرر استئناف ما بدأه من إجراءات وسياسات داخلية وخارجية وكأن شيئاً لم يكن.

خلاصة القول، أن إدارة الرئيس ترامب، ستتحمل سياسياً وأخلاقياً، تبعات إفلات المذنب والجاني من القصاص العادل في جريمة هزت وجدان الضمير العالمي ... وسيسجل تاريخ هذه الإدارة، أنها لم تسهم فقط في مساعدته على الإفلات من العقاب، بل وبددت فرصة نادرة، لإحداث تحول في مسارات بعض أزمات المنطقة المفتوحة، واستحداث التغيير في نهج وآليات الحكم في المملكة، والذي اتسم في السنوات الثلاث الأخيرة على نحو خاص، بكونه الأشد صرامة والأكثر طيشاً.
ولولا بصيص أمل في حراك الكونغرس بمجلسيه وحزبيه، ويقظة الإعلام ومؤسسات حقوق الانسان الأمريكية على هول الجريمة، ومحاولات هذه الأطر، تغيير نهج الإدارة وسلوكها، لكانت صورة واشنطن قد أصيبت في مقتل، بشظايا العظام المقطّعة في مبنى القنصلية.