مقالات > > الانتخابات النصفية بعيون شرق أوسطية

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-11-18
كتب عريب الرنتاوي

لا يُرتجى حدوث تحولٍ درامي في سياسات الولايات المتحدة الشرق أوسطية، كنتيجة للانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، والتي نقلت مقاعد الأغلبية في مجلس النواب إلى الحزب الديمقراطي، وأبقت مقاعد الأغلبية في مجلس الشيوخ للحزب الجمهوري.
 
على أن ذلك لم يمنع ظهور تقديرات مختلفة لأثر تلك الانتخابات على مصالح الأطراف الإقليميين وحساباتهم، كما أنه لم يحل دون تظهير التفضيلات المختلفة التي تبديها هذه الأطراف للحزبين المتعاقبين على الإدارة والكونغرس، وتحديداً ما اتصل من سياساتهما بأزمات الإقليم وعلاقات دوله مع الولايات المتحدة.
 
الاستياء الأكبر والأوضح صدر عن الرياض، حيث عبّر الناطقون غير الرسميين، من كتاب ومحللين وصحفيين مقربين من مراكز صنع القرار في المملكة العربية السعودية، عن مواقف انتقادية شديدة اللهجة حيال الحزب الديمقراطي، استبطنت بعض المخاوف من إمكانية حصول تحولات "غير مرغوبة" في سياسات واشنطن الشرق أوسطية، مع أن "التقدم المتواضع" الذي حققه الديمقراطيون في مجلس النواب، ونجاح حملة الجمهوريين الانتخابية بقيادة ترامب في الاحتفاظ بأغلبية مريحة في مجلس الشيوخ، ساهم في "تخفيف" حدة القلق والتحسب، وزرع نوعاً من الاطمئنان لاستمرارية السياسة التي انتهجها دونالد ترامب في النصف الأول من ولايته.
 
مصدر القلق السعودي بخاصة، والخليجي بعامة حيال الديمقراطيين، يمكن في موضعين اثنين: الأول؛ ويتصل بالتزام الحزب الديمقراطي، وخصوصاً في ظل إدارة الرئيس أوباما، بإبقاء ملف الإصلاحات وحقوق الانسان على جدول أعمال العلاقات الثنائية بين أمريكا وهذه الدول، وهذا ملف مزعج للغاية للأنظمة العائلية والسلالية عموماً، سيما في مراحل اشتداد قبضة السلطة، وتجاوزها لشتى الأعراف في التعامل مع معارضيها، كما ظهر جلياً في واقعة اغتيال جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول.
 
أما المصدر الثاني للقلق، فيكمن في خشية هذه الدول، من السياسات الإنفتاحية التي انتهجها الديمقراطيون حيال إيران، وصولاً للتوقيع على اتفاق بشأن برنامجها النووي في العام 2015، واعتقاد عواصم هذه الدول، بأن الديمقراطيين يحابون "الإسلام الشيعي"، ويتشددون في انتقاد "الإسلام السني"، بخلاف الجمهوريين، الذين يبدون ميلاً لعزل حيال إيران ونبذ حلفائها، وتحديداً الأحزاب والمليشيات الشيعية، وهو الميل الذي تجلى على نحو واضح في الانسحاب – من جانب واحد - من الاتفاق النووي، وإعادة فرض منظومة محكمة من العقوبات على إيران وبعض من حلفائها في الإقليم، وتحديداً حزب الله اللبناني، وتزايد التوقعات بقرب إقدام واشنطن على تصنيف جماعة أنصار الله – الحوثيين – كمنظمة إرهابية.
 
إسرائيل من جانبها، تشاطر مع السعودية المصدر الثاني للتخوف والقلق ... فهي سعت في الحيلولة دون الوصول إلى الاتفاق النووي، وتميزت علاقاتها بإدارة باراك أوباما بالفتور والتحدي، فضلاً عن القلق الذي عبّرت عنه في غير موقف ومناسبة، من محاولات الرئيس الأمريكي السابق، انتهاج سياسات أكثر توازناً حيال القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي... مع أن تاريخ العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، يسجل لإدارة أوباما بأنها كانت الأكثر سخاءً في تقديم الدعم المالي لإسرائيل (صفقة الثمانية والثلاثين مليار دولار في السنوات العشر القادمة، فضلاً عن قرار تزويد إسرائيل بطائرة "إف 35" الأحدث والأكثر تطوراً في الترسانة العسكرية الجوية للولايات المتحدة).
 
إسرائيل الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وجدت في إدارة ترامب ما يلبي معظم إن لم نقل جميع، تطلعاتها وانتظاراتها من أي إدارة أمريكية على الإطلاق، وهي تقطف اليوم، وبتسارع لافت، ثمار التحولات في السياسة الأمريكي حيال هذا الصراع تباعاً، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، وصولاً للمواقف الأمريكية المستجدة حيال اللاجئين و"الاونروا"، مروراً بما تعتبر حكومة نتنياهو بمثابة ضوء أخضر للتوسع الاستيطاني الزاحف، فضلاً عن المواقف المتشددة التي اتخذها البيت الأبيض حيال منظمة التحرير (إغلاق مكتبها في واشنطن) والسلطة الفلسطينية (وقف المساعدات المالية عنها).
 
ولأن المعادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين "صفرية" بامتياز، فإن الفلسطينيين استشعروا وإن بقدر قليل، بعضاً من الارتياح، لتراخي قبضة ترامب على الكونغرس، مع إنهم كانوا يرجون لو أن الانتخابات الأخيرة انتهت بانتقال الأغلبية للديمقراطيين في مجلسيه ... والحقيقة أن العلاقة بين رام الله وواشنطن، لم تبلغ هذا المستوى من التردي منذ انطلاق عملية السلام في مدريد عام 1991.
 
إيران بدورها، انتظرت بفارغ الصبر نتائج الانتخابات النصفية، وكانت تأمل أكثر من غيرها من دول المنطقة، فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس ... فبعض مصادر طهران تعتقد جازمة، بأن إدارة ترامب هي الأكثر قسوة وعداء لإيران منذ انتصار ثورتها الإسلامية عام 1979، وهي في المقابل، لم تشعر بالانفراج إلا بعد إقدام إدارة أوباما على توقيع الاتفاق النووي، ولطالما عوّل الجناح الإصلاحي في النظام الإيراني، على الثمار المرجوّة من إعادة إدماج إيران في السوق والنظام الاقتصادي العالمي، وهو الأمر الذي بات أكثر صعوبة وأبعد منالاً، بعد إعادة فرض حزمتين متعاقبتين من العقوبات المشددة على إيران في غضون الأشهر الستة الفائتة.
 
وثمة لاعب آخر، لا يحسب له حساب كبير عند الحديث عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأعني به "المجتمع المدني" و"قوى الإصلاح والتغيير" في العالم العربي والشرق الأوسط عموماً ... هذا الفريق، تعرض لنكسات متتالية خلال العامين الفائتين، بعد تآكل مكانة "حقوق الانسان" في الأجندة الشرق أوسطية لإدارة ترامب، وميل هذه الإدارة لتوثيق علاقاتها مع أنظمة وحكومات مستبدة، من دون ممارسة أي ضغط من أي نوع عليها، لاحترام حقوق مواطنيها، وفتح أنظمتها السياسية المغلقة، لمزيد من المشاركة والتمثيل... وقد تجلت هذه السياسات ليس في تخفيض حجم المساعدات المالية المقدمة من واشنطن لمؤسسات المجتمع المدني في المنطقة فحسب، بل وفي ممارستها الصمت حيال الانتهاكات المتزايدة لحقوق الانسان، وإقدام حكومات عربية عديدة، بمصادرة بعضٍ من المكتسبات التي حققتها قوى الإصلاح والتغيير في سنوات الربيع العربي الأولى.
 
اختلاف مواقف وتفضيلات اللاعبين الرئيسين في المنطقة، عائد لتباين أولوياتها وحساباتها ومصالحها ... لكن النتائج المتواضعة التي حققها الديمقراطيون في الانتخابات النصفية، لا تدفع أياً منهم، للرهان على حدوث انقلاب في أولويات السياسة الأمريكية، أو انتظار حدوث تحولٍ درامي في وجهتها وتوجهاتها.
 
وبانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2020، فإن دولاً كإسرائيل والسعودية تسعى جاهدة في استثمار النصف الثاني من ولاية ترامب لتحقيق أكبر قدر من المكاسب والمنجزات، فيما تميل دول أخرى مثل إيران على سبيل المثال لا الحصر، لرفع لواء "الصمود بانتظار رحيل هذه الإدارة"، مع أن أحداً ليس بمقدوره الجزم بأن الرئيس ترامب والجمهوريين من حلفائه، لن يتمكنوا من الحصول على ولاية ثانية.