مقالات > > حرب اليمن وحبر الخاشقجي... ودمه

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-11-04
كتب عريب الرنتاوي

أخفق جمال خاشقجي في حياته، في منع الحرب على اليمن، أو في وقفها بعد اندلاعها، بيد أنه ظل ناقداً لعبثيتها، مندداً بكلفتها الإنسانية بوصفها الكارثة الأسوأ في أزمتنا الراهنة ... لكن الإعلامي السعودي البارز، نجح بعد مماته، في وضع الأزمة اليمنية على سكة الحل السياسي ... فحقن بدمائه التي أرقيت على أرض قنصلية بلاده في إسطنبول، دماء عشرات ألوف اليمنيين من رجال ونساء وشيوخ وأطفال ... دم الخاشقجي كان أكثر مضاءً من حبر قلمه، وسيذكر التاريخ، أن الخاشقجي الذي قُتل لمواقفه المناهضة لسياسات حكومته وحروبها الرعناء المغامرة، أوقف بمقتله، واحدة من أكثر مغامرات محمد بن سلمان رعونة وكارثية.

لم نكن "نضرب بالرمل" عندما تنبأنا بعيد جريمة اغتيال الخاشقجي، بأنها ستفتح أفقاً لحلول ومقاربات سياسية، بعيداً عن لغة "الحسم العسكري" و"قعقعة السلاح"، وتحديداً على مساري الحرب اليمنية والحصار المضروب على قطر ... فالمجتمع الدولي الذي طالما خضع لـ "ابتزاز" المملكة الثرية، لن يفوت فرصة تورطها في جريمة إسطنبول النكراء، وما ترتب عليها من تآكل لمكانة المملكة، وانهيار لصدقية قيادتها، وتهميش لصورتها، قبل أن ينتزع من الرياض، تنازلات مؤلمة في الشأنين اليمني والقطري، ويملي عليها الجنوح لخيار الحلول السياسية والتفاوضية.

ثمة إجماع دولي قد تحقق في غضون بضعة أسابيع، حول ضرورة وقف الحرب في اليمن ... واشنطن قررت أن تشرين الثاني/ نوفمبر، هو شهر التفاوض والحل السياسي ... الجنرال ماتيس، قدّم تصوراً، يقوم على إنشاء شريط حدودي آمن على امتداد الحدود السعودية - اليمنية، واعتماد وحدات إدارة ذاتية لمختلف المكونات، في عودة شبه مباشرة، لفكرة الأقاليم الستة التي سبق تداولها بين اليمنيين، وفي مسعى لتلبية الحاجة السعودية للاطمئنان على أمن حدودها "و"داخلها" من صواريخ الحوثي.

الموقف الأمريكي بدا مدعوماً بقوة من بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وروسيا حركت دبلوماسيتها، لضمان موطئ قدم لها في ترتيبات الحل النهائي للأزمة اليمنية... فيما أفرقاء الصراع في اليمن، عبّروا وإن بتفاوت وحذر، عن الاستعداد للتجاوب مع "المبادرة الأمريكية" لتحريك المياه الراكدة في جهود الحل السياسي وتفكيك استعصاءاته.

اللافت أن السعودية، التي ظلت تفضل خيارات الحسم العسكري وتبشر بقرب إلحاق الهزيمة بالحوثيين، أعربت عن استعدادها للانخراط في مساعي الحل، وسط معلومات متواترة، يتناقلها "مغردون" سعوديون على اطلاع واسع، تؤكد أن الرياض ومحمد بن سلمان على وجه الخصوص، ينتويان الاستجابة للمسعى الأمريكي، ويستعجلان الخروج من "المستنقع اليمني"، سيما إن جاء ذلك في سياق صفقة أشمل، أو تفاهمات أوسع، تُنجي ولي العهد السعودي من ورطته في جريمة اغتيال الخاشقجي.
وما ينطبق على السعودية، ينطبق بدرجة أكبر على دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أخذت على عاتقها إحكام قبضتها على جنوب اليمن وموانئه، وهي التي لعبت دور رأس الحرب في معارك الساحل الغربي المحتدمة على مقربة من مدينة الحديدة ... وعلى الرغم من أن الإمارات ليست ضالعة ولا متهمة في حادثة الخاشقجي، إلا أن حلفها الوثيق مع محمد بن سلمان، قد تسبب لها بحرج شديد، وهي تسعى للتخلص منه، من خلال الظهور بصورة الساعي المتحمس لتحقيق السلام واستعادة الاستقرار لليمن، وليس في صورة المحارب القاسي الذي تسبب بأوخم الكوارث الإنسانية للمدنيين اليمنيين.

ثم إن فكرة "الإدارة الذاتية" التي تحدثت عنها واشنطن تروق كثيراً للإمارات، وربما تروق إليها أكثر من حليفتها السعودية ... ذلك أن مشروعاً كهذا، قد يمهد الطريق لانفصال الجنوب، في كيان واحد أو كيانين (عدن وحضرموت)، وفي كلتا الحالتين، تبدو أبو ظبي مستفيدة من تطور كهذا، فأكثر ما يهمها هو إحكام سيطرتها على عدن والجنوب، وما يتاح لها من موانئ يمنية، بخلاف الرياض، التي لا شك أنها متخوفة من فكرة قيام كيان حوثي على حدودها، بإدارة ذاتية، قد تجعل منه، تهديداً مزمناً لها، وربما قاعدة لنفوذ إيران في خاصرتها الجنوبية.

لم تتضح بعد الملامح النهائية للمشروع الأمريكي للحل السياسي للأزمة اليمنية، ولهذا السبب لم تتبلور بعد، مواقف الأطراف من هذا المشروع ... لكن فكرة الشريط الأمني على الحدود، وما تستبطنه من ترتيبات وإجراءات، ستكون موضع شد وجذب مع الحوثيين، فهؤلاء وإن نجحوا في مد سيطرتهم إلى مناطق في الداخل السعودية، وشكلوا تهديداً جدياً لمدن الجنوب السعودي وقراه وبلداته، إلا أنهم ما زالوا يستذكرون، أن حروباً ستة خاضها الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ضدهم من قبل، استخدمت فيها الأراضي السعودية، لتنفيذ عمليات التفاف من خلف خطوطهم، سواء بالنسبة لقوات الرئيس صالح، أو لبعض المجموعات السلفية، التي كان يستقدمها ويوظفها لمحاربة الحوثيين ... هنا من المتوقع أن يطالب الحوثيين بأن تكون الترتيبات الأمنية في الشريط الحدودي، متبادلة ومتوازنة، وتضمن مصالح الطرفين، لا طرف واحد.

أما "الحكم الذاتي" للمكونات والأقاليم التي تقيم عليها، فهي فكرة إشكالية، يخشى كثيرٌ من اليمنيين من تحولها إلى تقسيم واقعي، وربما رسمي ونهائي في وقت لاحق، لليمين ...وسنشهد عودة للحوارات والسجالات التي شهدتها البلاد، زمن الحوار الوطني ومبادرة عبد ربه منصور هادي لتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية ... وسيتصاعد هذا السجال أو سيخبو، تبعاً للخرائط التي سترسم الحدود بين هذه الأقاليم، وما إذا كانت ستعطي كل منها، ما يعتقد أنه حصة مناسبة لحجمه ومصالحه ومكانته.

الحوثيون أعربوا مبدئياً عن تحفظهم على فكرة "الحكم الذاتي" وأطراف يمنية أخرى، أعربت عن قلقها من مغبة تكريس التوسع والتمدد الذي سجله الحوثي بعدما دانت لسيطرته، محافظات الشمال، بما فيها العاصمة صنعاء ... هنا، وهنا بالذات، سيحتدم السجال والخلاف بين المكونات المختلفة ... وهذه قد تكون واحدة من أبرز العقد التي يتيعن على الوسيط الدولي مارتين غريفيت تذليلها، قبل الولوج في ترتيبات نقل السلطة وإعادة بناء أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، وتشكيل الحكومة والمرجعيات، توطئة لإجراء الانتخابات وتحقيق الوئام الوطني، والشروع في تقليب صفحات ملف إعادة الإعمار المكلف، أو باهظ الكلفة بالأحرى.

أياً كانت مخرجات العملية السياسية لليمن، فإن أولى الأولويات في هذا البلد المنكوب، يجب أن تعطى لوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية فوراً ومن دون إبطاء، فثمة طفل يمني يموت كل عشرة دقائق لنقص في الغذاء أو الدواء ... وتلكم وصمة عار في جبين الضمير الإنساني العالمي.