مقالات > > أين يمكن إدراج "مسيرات العودة الكبرى"؟

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-10-21
كتب عريب الرنتاوي

هي مسيرات شعبية بلا شك، وكبرى كذلك، ومستمرة للشهر الثامن على التوالي، لكن "العودة"، والمقصود هنا عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ليس لها موقع في هذه المسيرات سوى في الاسم الذي حملته وأُطلقَ عليها، لا أكثر.

أكثر من مئتي شهيد، معظمهم من الشبان والأطفال، صحفيين ومسعفين، سقطوا في تظاهرات "الجُمَع" المتتالية، إلى جانب ألوف الجرحى والمصابين والمعاقين ... في هذا الحراك الشعبي غير المسبوق، والذي بدل أن يندرج في إطار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بات جزءاً من ديناميكيات النزاع الفلسطيني – الفلسطيني.

حماس، هي القوة القائدة والمحركة لهذا الحراك، وهي المتحكمة بأدواته ووسائله ومستويات المواجهة ومعدلات الضحايا التي تسقط بنتيجته ... وهي إذ أعلنت أن هذا الحراك الذي انطلق إحياءً ليوم الأرض في الثلاثين من آذار عام 2018، إلا أنه كان واضحاً، ومنذ البداية، أنه حراك مصمم لتحقيق أغراض أخرى، أهمها اثنان: الأول؛ تعزيز مكانة حماس في صراعها مع حركة فتح والسلطة ومنظمة التحرير ...والثاني؛ إرغام إسرائيل على إبرام تفاهمات مع سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، تبقي هذه السلطة بأيدي حماس، وترفع الحصار المضروب حول القطاع منذ أزيد من عقد من الزمان، نظير "هدوء مطلق" و"تهدئة تامة" تتكفل الحركة بحفظها ورعايتها أياً كانت مواقف الأطراف الفلسطينية الأخرى.

لقد بنت حركة حماس رهاناتها عند إطلاق "مسيرات العودة الكبرى" على فرضيات أربع هي: الأولى؛ ضيق أهل غزة بالحصار المشدد والمكلف المضروب عليهم منذ سنوات طويلة، ورغبتهم في تفكيكه مهما كلف الأمر ... وهذا يفسر الاستجابة الكثيفة نسبياً لتظاهرات "أيام الجمع" المتتالية، مثلما يفسر صمت الرأي العام الغزي على كافة الانتقادات الموجهة لحماس من مغبة الانزلاق إلى حل سياسي غير مرغوب فلسطينياً من بوابة "الإغاثة" و"الحل الإنساني" لمشكلة القطاع وأهله.

الثانية؛ حاجة مصر لتقطيع أي قنوات للتواصل بين "إرهابيي" سيناء وبعض مؤيديهم من سلفيي غزة و"جهادييها"، ومصلحتها في ضمان تعاون حركة حماس مع الجهود المصرية الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار لشبة جزيرة سيناء، سيما بعد أن تولّدت لدى القاهرة قناعات تزداد رسوخاً حول ضعف السلطة وعجز حركة عن استعادة زمام المبادرة في القطاع في الأمد المنظور.

والثالثة؛ بروز اتجاهات دولية، تتقدمها الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب، تفضل التعامل مع "أزمة غزة" بمعزل عن الحل النهائي والشامل للقضية الفلسطينية، وسلوك "مسار إنساني" في هذا التعامل، قد يفضي إلى نتائج سياسية، لا يرغب بها الفلسطينيون بها، ولا يوجد من بينهم من يستطيع الدفاع عنها، علناً على الأقل.

والرابعة؛ حاجة إسرائيل للتهدئة والهدوء على الجبهة الجنوبية في ظل انعدام رغبتها في التورط في حرب شاملة جديدة على القطاع، ومصلحتها في تكريس الانقسام الفلسطيني وتحويله إلى انفصال جغرافي ومؤسساتي بين الضفة والقطاع.

على تخوم هذه المواقف والحسابات، الإقليمية والدولية، رسمت حركة حماس خريطة مصالحها وأولوياتها في المرحلة المقبلة، ويمكن اختصارها بالإصرار من جهة، على إبقاء سلطتها، سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، حيث تأكد انعدام وجود رغبة أو مصلحة عند حماس بالتخلي عنها أو حتى تقاسمها على نحو جدي، مع أي فصيل آخر ... وإنجاز تهدئة مع إسرائيل من جهة ثانية، تكفل للحركة الخروج من مأزقها في قطاع غزة، وتخليص أهل القطاع من مأزقهم مع سلطة حماس المتفردة للقطاع المحاصر والمجوّع.

لقد بدأت "مسيرات العودة الكبرى" بصخب شعاراتي عالي النبرة، حول "العودة" و"تقرير المصير" و"التحرير الكامل" و"إسقاط صفقة القرن" و"تحدي قرار ترامب حول القدس"، قبل أن تنتهي إلى شعار واحد أوحد: رفع الحصار مقابل الهدوء الكامل ... وتركزت المبادرات والتحركات الديبلوماسية التي رافقت المسيرات الشعبية ونجمت عنها، على هذه "المقايضة الكبرى" حصراً، ولم يؤت على ذكر أي من المطالب والشعارات الأخرى التي غلفت المسيرات والتحركات الشعبية.

غير بعيد عن غزة، كانت السلطة الفلسطينية في رام الله، ترقب الوضع عن كثب، وتتابع الاتصالات والمبادرات الدبلوماسية التي انخرطت فيها بنشاط كل من الأمم المتحدة ومصر وقطر، وتوصلت إلى صياغة هدفٍ رئيس لموقفها: "المصالحة أولاً والتهدئة تالياً"، واشترطت "تمكين الحكومة" وتولي كافة الصلاحيات والمسؤوليات في القطاع، تحت شعار: سلطة واحدة، وسلاح شرعي واحد، وهو أمر ما كان يمكن لحماس ان تقبل به بحال من الأحوال ... لينخرط قطبا الانقسام الفلسطيني بعد ذلك، في سجال وحرب اتهامات متبادلة حول أيهما أولاً: المصالحة أم التهدئة؟

أدرك الرئيس عباس، أن "تهدئة" بين حماس وإسرائيل من دون مصالحة تضمن عودة السلطة إلى قطاع غزة، لا تعني سوى تكريس الانقسام، أو الانفصال، وتأبيد سلطة حماس في القطاع ... وأدركت حماس منذ البدء، أن "التهدئة" هي ورقتها الأولى والأخيرة، للحفاظ على سلطتها في القطاع، وتفكيك أطواق العزلة من حولها، وربما الدخول في مسار "إعادة تأهيل" تراعاه قطر وتركيا أساساً، يمكنها من انتزاع قبول إقليمي ودولي بدورها كمكون رئيس في الحركة الوطنية الفلسطينية.

لقد وجدت اطروحات عباس تأييداً من أطراف عربية ودولية عديدة، لا تعترف بحماس وتخشى جماعة الإخوان المسلمين، ولا ترغب في شق وتقسيم "الشرعية الفلسطينية"، وسعت مصر في التساوق مع طلبات عباس وأولوياته، بتقديم المصالحة على التهدئة ... لكن المواقف "المتعنتة" للرئاسة الفلسطينية، وإحجام فتح عن تقديم مبادرات قابلة للحل والتطبيق، جعل الوسيط المصري، يتقرب أحياناً من أطروحة حماس، ويعمل على تقديم التهدئة، خصوصاً حين كانت جبهات المواجهة على حدود القطاع تزداد اشتعالاً، أو حين كان خطر اندلاع حرب جديدة في غزة وعليها، يزداد على وقع التهديدات الإسرائيلية ... والحقيقة أن حالة المراوحة بين حسابات سلطة الأمر الواقع في غزة، وحساسيات السلطة الشرعية في رام الله، أفضت إلى تكبيل أيدي الوسيط المصري وجعلت مهمته تدور في حلقة مفرغة، أقله حتى الآن.

ويؤخذ على حماس، أنها بتغليبها "التهدئة" على "المصالحة"، لا تضع المصالح الوطنية الأعلى للشعب الفلسطيني بنظر الاعتبار ... فالمصالحة وعودة السلطة للقطاع من ضمن "تفاهمات" و"حلول وسط مع حماس"، من شأنه أن يمكن الفلسطينيين من إنهاء الانقسام ودرء خطر الانفصال من جهة، وحصولهم على "تهدئة" بشروط أفضل من جهة ثانية ... فأية تهدئة ستتحصل عليها حماس في ظل الانقسام، لن تعيد للفلسطينيين ما كانوا يحصلون عليه من تسهيلات وحرية حركة عندما كانت السلطة تدير القطاع وتشرف على معابره وتتولى أمر حكمه وتدبيره.

ولهذا السبب، يسود الاعتقاد بأن "كفاح" حماس من أجل رفع الحصار مقابل التهدئة، هو تعبير عن "مصلحة فصائلية" ضيقة، تداعب توق أهل غزة للفرج والانفراج، ولا تعبر على بصورة فضلى عن أعمق مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

وربما ينطبق الأمر بالقدر ذاته، على السلطة الفلسطينية، التي لم تظهر حتى الآن، رغبة في الشراكة في الحقيقة، وما زالت تفضل العمل مع القطاع بشعار "كل شيء أو لا شيء".

رابط المقال على موقع الحرة:
https://www.alhurra.com/a/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%A5%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D9%85%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89/465098.html