مقالات > > ملف الخاشقجي لم يغلق بعد

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-10-21
كتب عريب الرنتاوي

قدمت السعودية روايتها، وقالت إن جمال الخاشقجي "توفي" إثر مشاجرة في قنصليتها في إسطنبول، أعلنت عن احتجاز مشتبه بهم، وجردّت مسؤولين كبار من مناصبهم وصلاحياتهم... وتعهدت استمرار التحقيق لكشف بقية ملابسات الحادثة، وقدرت أنها ستحتاج لشهر إضافي لإنجاز المهمة ... إذا، الملف لم يغلق بعد، والأسئلة ما زالت تبحث عن إجابات، وكلما أجيب على بعضها، تناسل الكثير منها، الأمر الذي يدفع على الاعتقاد، بأن "تراجيديا الخاشقجي" ما زالت تتوالى فصولاً.

نحن بانتظار نتائج تحقيقين آخرين، يجريان في مكانين آخرين: التحقيق الأمريكي، الذي قال الرئيس ترامب بأن نتائجه قد تتضح يوم غدٍ الاثنين ... والتحقيق التركي، وهو الأهم، الذي يبدو أنه بدوره قد شارف على نهايته، سيما وأن "البحث عن الجثة" بات أيسر الآن، طالما أن المشتبه بهم قيد الاحتجاز، ولدى المحقق السعودي عن مصير الجثة، بعد أن اعترفت المملكة بواقعة الوفاة، وبأنها تمت في القنصلية، تأكيداً لمصداقية الرواية التركية عن الواقعة.

ثمة طوفان من الأسئلة والتساؤلات التي لم يجب عليها البيان السعودي، وثمة فراغات في الرواية التي استبطنها، وهي بحاجة لمن يملأها ... وفي ظني أن البيان السعودي نجح في إغلاق فصل من فصول حادثة الخاشقجي، لكنه افتتح فصلاً جديداً مليئاً بالإثارة والتشويق على طريقة المسلسلات البوليسية الأمريكية.

ثمة احتمالين لا ثالث لهما، لنتائج التحقيقين الأمريكي والتركي ... أن يأتيا مصداقاً لما ورد في البيان السعودي، وهنا يكون الجانب الجنائي من الجريمة قد تكشف، لتبقى تداعياتها السياسية والأخلاقية وما قد يترتب عليها ... أو أن يأتيا، أحدهما أو كلاهما، متعارضاً مع الرواية السعودية، وعندها سيدخل ملف الخاشقجي فصلاً جديداً من فصول التعقيد، مع كل ما قد يثيره من توترات في العلاقات الإقليمية والدولية، ومن تبدلات في مواقف ومواقع وأوزان وأدوار لاعبين كثر، أهمهم السعودية، وما قد يفضي إليه كل هذا وذاك وتلك، من انعكاسات على أزمات المنطقة، بدءاً باليمن وليس انتهاءً بالأزمة القطرية مروراً بـ"صفقة القرن".

العثور على جثة الخاشقجي، وإخضاعها للفحص والتحليل الجنائي، هو نقطة مفصلية في التحقيق حول الجريمة ... وسيكون بمقدور الخبراء تحديد السبب المباشر والرئيس للوفاة، وما اعترى الجثة خلال الأسبوعين الأخيرين ... هنا يمكن أن تكسب الرواية السعودية، صدقيتها، وهنا قد ينقلب الأمر رأساً على عقب... السعودية التي كانت مطالبة بالكشف عن مصير الخاشقجي، ستكون مطالبة خلال الأيام القليلة القادمة بالكشف عن مكان "جثته"، وفي ظني أنها ستفعل، حتى وإن بعد طول تردد أو إحجام، فلا حجة لها في نفي معرفتها بالمكان، طالما أنها تضع يديها على المتسببين بمقتل الخاشقجي.

الأتراك يقولون إنهم ملتزمون بكشف نتائج التحقيق كاملة وبكل نزاهة وشفافية ... هم الآن على المحك، صدقية وسمعة قضائهم وصورتهم في مواجهة مع أهم اختبار لها ... نفيهم الانخراط في أية صفقات أو مقايضات، ستتضح صدقيته من خلال "الأدلة" و"الرواية" و"الشواهد" التي سيتقدمون بها ... وفي ظني أنهم، أكثر من غيرهم، من بيده أمر تقرير صحة الرواية السعودية أو عدمها، ولكل من هذين الاحتمالين، تداعيات لا تقف عند حد.

والأمريكيون ليسوا جميعاً على "قلب رئيسهم"، فهو وحده من رحب بالرواية السعودية "ذات المصداقية"، واعتبرها خطوة هامة وكبيرة ... مثل هذا الموقف لم يصدر عن أي مؤسسة أمريكية أخرى، حتى البيت الأبيض في بيان المتحدث باسمه، كان أكثر حذرا وتحفظاً من رئيسه ... الكونغرس بأعضائه الكبار والصغار، من جمهوريين وديمقراطيين، والإعلام الأمريكي بما فيه الداعم لترامب، لم يصدر عنه، ما يشي بقبوله الرواية السعودية أو شرائه لها، حتى أن معظم ردود الأفعال الأولية، قد ذهبت باتجاه الشك والتشكيك والسخرية والامتعاض.

والخلاصة أن البيان السعودي وإن وضع التحقيق في جريمة قتل الخاشقجي على سكة جديدة، إلا أنه لم يغلق ملفها بعد، بل أثار من الأسئلة والتساؤلات بأكثر مما وفر من الأجوبة والتطمينات.