مقالات > > عن جمال الخاشقجي الذي "دخل ولم يعد"

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-10-08
كتب عريب الرنتاوي

حتى كتابة هذه السطور[1]، لم تكن الستارة قد رفعت عن مصير الكاتب السعودي المرموق جمال خاشقجي ... الثابت أنه دخل القنصلية السعودية في إسطنبول، أما أين انتهى به المطاف، وما إذا كان ما زال محتجزاً داخل مبنى القنصلية، أم أنه نقل إلى بلاده السعودية بطريقة من الطرق، فتلكم أسئلة ما زال يدور بشأنها جدل كبير، حيث تتضارب المعلومات والروايات، وتتعدد المصادر والقراءات.

الخاشقجي مثقف وإعلامي سعودي، تقلب بين مناصب عديدة رفيعة، وكان مقرباً من القصر والعائلة الحاكمة، ولطالما نُظر إليه، بوصفه "الناطق باسم الاعتدال السعودي"، نسج شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، وكتب في كبريات الصحف العربية والغربية، وحلّ ضيفاً على العديد من القنوات الفضائية، قبل أن يضيق به صدر ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان، فيغادر المملكة قبل أزيد من عام، معلناً أنها لم تعد مكاناً ملائماً للعيش.

بانتقاله للعيش في الولايات المتحدة، استنشق الرجل نسائم الحرية، واستشعر زوال كثير من القيود والأصفاد التي كانت تطوّق صوته وعقله، مع أن الخوف والقلق لم يفارقانه كما أوضح مقربون منه ... أطلق لقلمه العنان، وبدأ بتوجيه انتقادات للسياسة السعودية في بعديها الداخلي والخارجي، مع أنه ظل، وأزعم أنني من المتابعين لما يكتب ويقول، حذراً في كل ما يقول ويكتب، وكانت انتقاداته أقرب ما تكون إلى "النصائح" منها إلى التنديد والتفنيد، مجترحاً خيارات وبدائل لبعض المواقف والسياسات التي ارتبطت بالغالب، بشخص ولي العهد، رجل المملكة القوي، التي تجمعت بين يديه في سن مبكرة، سلطات وصلاحيات وعناصر قوة ونفوذ، لم يحظ بها ملوك المملكة المتعاقبون.

ولا أريد أن استبق المصير الذي ينتظر الرجل، لكن من دون تدخل دولي حاسم، أمريكي على وجه الخصوص، فإن الرجل معرض لأن يلقى مصائر بعض ممن سبقوه من المعارضين السعوديين، وبعضهم اختفى بظروف غامضة مماثلة، ولم يكشف حتى اليوم عن الطريقة التي لقوا بها مصرعهم، مثل المعارض السعودي ناصر السعيد، الذي كان يقيم في بيروت في سبعينات القرن الفائت، ويقال أن اختطافه تم بالتنسيق بين المخابرات السعودية وجهازين أمنيين، واحد فلسطيني والثاني لبناني.

إن السؤال عن السبب الذي يدفع السعودية للإقدام خطوة من هذا النوع، مع كل ما يمكن أن تثيره، أولاً؛ من تأزم في العلاقات التركية – السعودية، باعتبار أن العملية تشكل انتهاكاً لسيادة أنقرة على أرضها... وثانياً؛ من ردود فعل غاضبة على واحدة من أبشع انتهاكات حقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير والصحافة، يبدو سؤالاً فائق الأهمية، ويستحق التفكير والتأمل.

فالمملكة التي تتسابق لخطب ودها، كبريات شركات النفط والسلاح، تبدو واثقة تماماً من أنها قادرة على فعل أي شيء تقريباً، من دون أن تلقى القصاص المناسب من المجتمع الدولي ... لقد رأينا دولاً غربية، تعاود الاعتذار للرياض عن انتقادات صدرت عنها بحق المملكة على خلفية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في اليمن أو في السعودية ... حدث ذلك مع ألمانيا واسبانيا، وقبلهما مع السويد ودول أخرى ... والمملكة تحظى بدعم أمريكي لافت، عبر عنه الرئيس دونالد ترامب بقوله أن يحب السعودية والملك سلمان أكثر من مرة، طالما أنها تدفع، أو ستدفع، ما يترتب عليها نظير حمايتها من قبل الولايات المتحدة ... والمملكة بوصفها المصدر الأكبر للنفط، واللاعب الأهم في "أوبك"، تستطيع أن تمارس ضغوطاً على دول وعواصم عديدة، صغرى وكبرى، تحت ضغط الخشية من إلغاء صفقات أو التردد في إبرام عقود أو الإحجام عن تقديم مساعدات وهبات.

حتى الأمم المتحدة لم تسلم من "ابتزاز" المال والاقتدار السعوديين، وحكاية الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، الذي تراجع عن إدراج اسم السعودية في القائمة السوداء للدول التي تقتل الأطفال، باتت معروفة، وهو نفسه اعترف بتعرضه للتهديد بوقف تمويل عدد من المنظمات والبرامج الأممية، إن هو مضى في تنفيذ التوصية الخاصة بالسعودية، معتبراً أنه كان يوماً من أصعب أيام حياته، وهو يقرر عدم إدراج اسم المملكة في قائمة العار المذكورة.

والحقيقة أن توظيف العائدات والموارد السعودية، واستخدام عقود النفط والسلاح والتجارة والمقاولات، فضلاً عن المنح والمساعدات، وسيلة لتحقيق أغراض سياسية أو أداة لمنع التعرض لسياسات المملكة وانتهاكاتها للنقد، قد باتت سمة عامة للسياسة الخارجية السعودية، وركناً أساسياً إن لم يكن الركن الأساسي والوحيد في دبلوماسيتها وسياساتها الخارجية.

إن نجاح نظرية "كل شيء يمكن شراءه بالمال"، حتى الضمير الإنساني العالمي، ومواقف الدول الكبرى والمنظمات الدولية، في تحقيق الكثير من أهدافها، هو ما شجع الأمير الشاب، على ارتكاب انتهاكات جسيمة، ليست في حربه على اليمن فحسب، بل وضد أركان عائلته ورجال الأعمال ورجال الدين وأكاديميين وكتاب وإعلاميين، يرزحون بالعشرات في سجون المملكة.

على أن واقعة استدعاء (اختطاف) رئيس الوزراء اللبناني سعد الدين الحريري وهو على رأس عمله، وإجباره على تقديم استقالته من الرياض تحت الضغط والتهديد والاعتقال، ستظل تعبيراً عن بلوغ "غطرسة القوة" ذروتها، وتجسيداً لقناعة متجذرة بأن الرجل يستطيع أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء وضد من يشاء، دون خشية من حساب أو عقاب، ودون انتظار لردة فعل دولية متناسبة مع هذه الارتكابات الخطيرة.

اليوم، يبدو الرهان السعودي منعقداً على أن صفحة جمال خاشقجي سيطويها النسيان ومن دون أن يترتب عليها أية ردود أفعال تذكر، سوى بيان هنا وتصريح هناك ... وإذا أفلت المسؤولون عن الإخفاء القسري للصحفي السعودي المعروف من المساءلة والعقاب، فلا ضمانة من أي نوع، بأن هذه الأفعال الشنعاء، لن تتكرر مستقبلاً، وأنها لن تطاول عدداً آخر من قادة الرأي والمعارضين السعوديين، وربما غير السعوديين، الذين لا تروق لهم مواقف المملكة وسياساتها، أو بالأحرى الذين لا تروق مواقفهم وانتقادهم للمملكة.

ومن بين دول المنطقة والعالم جميعها، فإنه تعين على تركيا بشكل خاص أن يكون لها موقف مختلف ... فالحادثة (الجريمة) وقعت على أرضها وفي قلب أكبر مدنها ... وحتى لا تتهم الأجهزة الأمنية بالتواطؤ في جريمة الإخفاء القسري للخاشقجي، فإنها مطالبة بكشف المستور من هذه العملية، واتخاذ ما يلزم من مواقف وإجراءات تساعد في الكشف عن مصير الكاتب والصحفي السعودي، لتشكل بذلك رادعاً يحول دون تكرار ما حدث مستقبلاً.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لمنظومة حقوق الانسان، مبادئها وقيمها، باعتبارها عنصراً موجها للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية ... آن الأوان لقادة بعض الدول الكبرى، لأن يخلعوا "زي رجل المبيعات" الذين يرتدونه في زياراتهم للمملكة ودول خليجية أخرى، وأن يتصرفوا كـ"رجال دولة" وزعماء لدول ومجتمعات، تفاخر بأنها مُنشِئة هذه القيم والمبادئ وراعيتها... فهذه المنظومة لا تقبل القسمة والازدواج، وما يصدر عن بعض حلفاء واشنطن في المنطقة، لا يقل تهديداً وانتهاكاً لها، عمّا يصدر عن بعض خصومها وأعدائها.
 
[1]مساء الخميس 4 أكتوبر بتوقيت الأردن.