مقالات > > لماذا تحتفظ الدوحة وأنقرة بأشد المواقف عدائية للأسد؟

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-09-27
كتب عريب الرنتاوي

لم يبق زعيم دولة واحدة من "نادي أصدقاء سوريا" إلا وانهمك ردحاً من الوقت، في "عدّ الأيام الأخيرة" للرئيس السوري بشار الأسد، كثرة من هؤلاء غادروا مواقعهم قبل أن يكملوا العد ... ولم ينته اجتماع لمسؤولين من دول هذه المجموعة من دون المطالبة بتنحي أو "تنحية" الأسد ... وجميعهم من دون استثناء، لطالما ربطوا الحل السياسي لسوريا بغياب الأسد وتغييبه، وبعضهم ممن تحتفظ جيوشهم بتواجد على الأرض السورية، ربط أمر بقائها وانتشارها هناك، برحيل الأسد وتحقيق انتقال جذري للسلطة.

المشهد تغير تماماً في العام الأخير (أو العامين الأخيرين)، واشنطن لم تعتد تشترط رحيل الأسد للوصول إلى حل سياسي للأزمة، ماتيس وبومبيو وجميس جيفري (مع اختلاف مواقف كل واحد منهم عن الآخر)، رسموا لبلادهم ثلاثة أهداف في سوريا، تدور حول داعش وإيران والحل السياسي، وليس من بينها رحيل الأسد أو ترحيله ... هم يرغبون بذلك ويفضلونه بلا شك، بيد أنهم لا يشترطونه.

الموقف الأوروبي ليس بعيداً عن الموقف الأمريكي ... معظم القادة الكبار في القارة العجوز، لا يرغبون برؤية الأسد في عرينه، يرغبون برحيله ولا يتصورون حلاً سياسياً لسوريا وتطبيعاً للعلاقات معها، وانخراطاً نشطاً في إعادة الإعمار، ببقاء الأسد ... بيد أنهم جميعاً، ومن دون استثناء كذلك، ما عادوا يطالبون برحيله أو يشترطون تنحيه أو تنحيته عن السلطة.

حتى السعودية والإمارات، الدولتان اللتان انخرطتا وإن بأقدار متفاوتة في الأزمة السورية ومشاريع الإطاحة الطوعية أو الإجبارية بالرئيس السوري، لم تعودا تتحدثان اللغة ذاتها ... مصادر مقربة من دمشق، ترجح ميل الإمارات لاستئناف العلاقة مع سوريا، والوزير عادل الجبير، يتحدث عن تفاوض بين المعارضة والنظام، وجهوداً تبذل في هذا السياق، من دون إعادة تكرار الشعار القديم: يتنحى طوعاً أو بالقوة.... بقية الدول العربية، تراوح مواقفها ما بين اللامبالاة وعدم الاكتراث من جهة، أو حتى تفضيل بقاء الأسد في مكانه من جهة أخرى.

لم يبق أحد يتحدث بلغة الرحيل والترحيل سوى دولتين اثنتين: تركيا وقطر، وهما دولتان حليفتان، بينهما قواسم مشتركة وعلاقات وطيدة، وتجمع رئيس الأولى بأمير الثانية علاقات شخصية حميمة ومكلفة للجانب القطري على أقل تقدير ... الدولتان تلتقيان على احتضان جماعة الإخوان المسلمين ودعمها ... والدولتان بذلتا جهوداً مضنية لفرض الجماعة على النظام قبل الأزمة السورية، و"تعويم" الجماعة بعدها، لتصبح قوة قائدة في المعارضة ... وكلتاهما نظرتا لسوريا والجماعة، بوصفهما مداخل كبرى، لمد نفوذها ودوريهما الإقليميين في عموم المنطقة، لكن الفشل كان حليفهما سواء بسواء.

في اجتماعات الجمعية العام للأمم المتحدة، بدا خطابا أردوغان وتميم، عزفاً منفرداً ونشازاً على وتر قديم ... لم يستعمل أحد غيرهما هذه اللغة، ولم يبدو على أي زعيم سبقهما أو لحقهما إلى المنصة، أنه مسكون بهاجس رحيل الأسد وتغييبه ... الأمر الذي يعكس حجم الخيبة والإحباط من تطورات الأزمة السورية التي تسارعت منذ أيلول عام 2015، إلى أن بلغنا "منعطف" إسقاط الطائرة الروسية وقرار موسكو تدعيم دفاعات النظام وقدراته القتالية.

في الأمر، تُشتمُّ رائحة هزيمة سياسية وفشل استثماري كبير، وفي الأمر تُشتم رائحة الخذلان والتخلي ... وفي الأمر علائم "شخصنة" في الصراع مع الأسد، لا صله له بالمصالح العليا والحسابات الدولية، بل بـ"الأنا المتضخمة" بكبريائها وهوسها وحساسيتها ... في الأمر إرهاصات كاشفة على ما كان يرسم ويخطط ويراهن عليه من أحلام وأوهام ... لكن كل ذلك لن يجدي نفعاً ... قطار الأحداث لن ينتظر طويلاً أولئك الذين يجدون صعوبات جمّة في التكيف واللحاق بآخر عرباته ... الوقائع العنيدة على الأرض، لا تأبه بما قيل ويقال وسيقال، عن استمساك بـ "جمر المبادئ"، فأصحاب هذه المبادئ الأصليين تركوها جانباً، وحملة مشاعلها الجدد، أخفقوا في البرهنة على أنهم يعنون ما يقولون، وأن هذه "المبادئ" هي جزء أصيل من منظومتهم الفكرية والاعتقادية، وليست شماعات و"حجب" يتلطون خلفها تارة لإنجاز مصلحة وأخرى للتغطية على فشل.