مقالات > > كيف "انعكست الآية" و"انقلب المشهد"

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2018-09-17
كتب عريب الرنتاوي

ليست حبال الثقة وحدها، هي من تقطّعت بين الحكومة والمواطنين، بل حتى القدرة على تبادل الكلمات والأفكار، إدارة التواصل والاتصال، قد تقطّعت بها السبل كذلك، وبات تنظيم حوار مباشر بين المواطن والوزير، مهمة عصية على التحقيق، وغاية لا تدرك، ومن شاهد بعض مقاطع الفيديو لوزرائنا وهم يغادرون قاعات الاجتماعات العامة، مجللين بالاتهامات والإدانات، لا يمتلك سوى الحزن والأسف لما آل حالنا.

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة ... تكرار المشهد في كل مرة، يتم على نحو أكثر سفوراً وإيلاماً، ويستطبن معاني باعثة على القلق والتحسب "لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ".

لكن بعيداً عن مرارة المشهد وآلامه، فإن الفشل الذي لحق بمحاولات تنظيم حوارات بين الحكومة والمواطنين حول مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد في عدد من محافظات المملكة، إنما يشف عن جملة حقائق أهمها اثنتان:

الأولى؛ أن فجوة الثقة، قد باتت "جرفاً قارياً" يصعب ردمه، وبلغ حداً يعجز معه المواطن عن ضبط أعصابه لسويعات قليلة يفرغ خلالها السادة المسؤولين والوزراء ما في جعبهم من أفكار ومقترحات ومبررات لتسويق سياسة أو تسويغ قانون ... حين يبلغ "انعدام الثقة" حداً كهذا، يتعين على "عقل الدولة" أن يجترح حلولاً من خارج الصندوق إياه، ولا أقصد هنا صندوق النقد الدولي، بل أشير إلى الصندوق المقفل والذي تجري بداخله عمليات تدوير النخبة السياسية وإعادة انتاج الأفكار والمشاريع والمبادرات السياسية ذاتها، مقترحاً التوجه صوب صندوق آخر، صندوق المبادرات الكبيرة ومشاريع الاستنهاض الوطني، التي تقوم على "الصدمة الإيجابية" وتمكين المواطنين من "قضية" يلتفون حولها ويعملون من أجلها، توطئة لاستعادة الثقة، التي هي مقدمة ضرورية وشرط واجب لنجاح أي مسعى إصلاحي، سياسياً كان أم اقتصادياً.

والثانية؛ أن هيبة الدولة ومكانتها قد بلغت دركاً غير مسبوق على الإطلاق ... فالوزراء الذين يستقبلون بكل هذا الصخب والاحتجاج والمقاطعة، ويعجزون عن أداء التكليف الذي أوفدوا من أجله، لم يجدوا سوى لغة الاستعطاف (حتى لا نقول الاستجداء)، وممالأة محدثيهم من المواطنين والرفع من مكانتهم مقابل الحط من مكانة الوزراء والمسؤولين، الحاليين والسابقين، واعتبارهم أكثر ولاءً وانتماءً من الحكومة ذاتها ... مثل هذه المقاربة تقود تلقائياً، ومن دون تردد إلى السؤال: ولماذا ما زلتم في مواقعكم؟ ... لماذا لا تغادرونها مفسحين في المجال لغيركم ممن هم أكثر حرصاً ووطنية منكم؟

"انعكست الآية" تماماً، وانقلب المشهد رأساً على عقب ... اعتدنا من قبل، مشاهدة جري المواطنين للقاء الحكومة ووزرائها ... اليوم، تجري الحكومة للقاء المواطنين ولا تجد من يستقبلها أو يستقبلهم ... اعتدنا "التسحيج" للوزير والمسؤول، وإحاطته بكل الحفاوة التي يستحق ولا يستحق ... اليوم، نرى "تسحيجاً" حكومياً للمواطن، يكاد يلامس حد التزلف والاسترحام ... ما الذي جرى؟ ... وكيف "انعكست "الآية" و"انقلب المشهد"؟ ... وأين المصلحة في كل ما يجري؟

اعتدنا على أنباء من نوع اعتداء على رقيب سير أو موظف بلدية أو جابي كهرباء وماء، بيد أن ما شهدناه، يمثل اعتداء على هيبة الدولة وصدقية المؤسسة ومساً بـ"صاحبة الولاية العامة"، دستورياً على الأقل ... ما شهدناه ينبئ بأننا نقترب من لحظة "العصيان" على الدولة ومؤسساتها السيادية، ولا حاجة لتجميل ما حصل أو التقليل من شأنه لأية دوافع أو اعتبارات اعتدنا عليها وكانت سبباً من بين أسباب أخرى، فيما آل إليه حالنا.

بعد كل هذا الإخفاق المتكرر، ألم يقتنع صناع القرار في الدولة حتى الآن، بالحاجة الضاغطة، لمبادرة بحجم ما حصل في العام 1989، زمن الأزمة الاقتصادية الكبرى والانحباس السياسي الأخطر؟ ... من أين يأتي هؤلاء بكل هذه الطمأنينة إلى المستقبل، وكيف يعتقدون أن مجرد تغيير شخص رئيس الحكومة، ومحاصرته بطاقم وزاري "مدوّر" من حكومات فاشلة سابقة وتكبيله ببرنامج وزاري شبيه بما سبقه من برامج، يمكن أن يكون مخرجاً وأن يشكل استجابة لـ"هبّة رمضان" غير المسبوقة؟ ... وهل ظنّ القوم، أن استعصاءانا الاقتصادي – الاجتماعي والسياسي، يمكن أن يحل بإضافة مبلغ قليل هنا أو تغيير نسبة مئوية هناك على مشروع قانون الضريبة على الدخل على سبيل المثال؟

نعود فنذكر بما كنا دعونا إليه: حكومة انقاذ وطني انتقالية، تشرف على إدارة حوار وطني ملزم، وانتخابات مبكرة نيابية بقانون انتخاب قائم على التعددية الحزبية، وحكومات منبثقة عن الأغلبية البرلمانية، تعمل على إطلاق مشروع استنهاض وطني وعقد اجتماعي جديد، قادرة على شق طريقه، بما لها من تمثيل شعبي حقيقي، وتفويض فاضت به صناديق الاقتراع.

من دون ذلك سنجدنا ننزلق بثبات، نحو وضع يصبح فيه إعلان الطوارئ وسيلة الدولة "الأسهل" – وإن كانت "الأكثر كلفة" - لاستعادة المكانة والهيبة وبسط سيادة القانون ... عندها لن يخسر الأردن "شهادة صندوق النقد الدولي"، بل وكثيرٍ الشهادات التي تحصل عليها، أو يمكن أن يتحصل في العقد القادم.