مقالات > > الملك يقطع مع "الكونفدرالية" بسرعة وحزم ... والشارع ما زال قلقاً ومتحسباً

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-09-08
كتب عريب الرنتاوي

هيمنت مسألة "الكونفدرالية" بين الأردن وفلسطين، على أحاديث الصالونات والمجالس السياسية الأردنية، وتصدرت قائمة اهتمامات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وأفردت الصحف اليومية والمواقع الإخبارية، مساحات للكتاب والمحللين لتناول هذه المسألة من مختلف جوانبها وأبعادها، فيما بدا أنه انقلاب في أولويات المشهد الأردني، على خلفية التصريحات التي نسبها وفد من حركة السلام الإسرائيلية إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، كان التقاه الأسبوع الفائت، وأوردت صحيفة "هآرتس" مقتطفات منها، قال فيها أن الفريق الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط، قد عرض عليه إقامة علاقة كونفدرالية مع الأردن، وأنه قبل العرض شريطة أن تكون إسرائيل طرفاً ثالثاً فيه.

وإذ أجمع كل من تناول "الكونفدرالية" على رفضها والتحذير من مراميها، فقد تباينت تقديرات المحللين والمراقبين، بشأن مدى جدة وجدية هذه الأطروحة ... فالبعض رأى أنها فكرة قديمة يجري "نبشها" مرة كل عام أو عامين، فتثير بلبلة في أوساط الأردنيين قبل أن تعود للانقشاع مجدداً، والبعض الثاني، رأى أنها ربما تكون أخطر مؤامرة على حقوق الفلسطينيين ومستقبل الأردنيين على حد سواء، فيما جنح فريق ثالث من الأردنيين، للقول إنها "مجرد بالون اختبار" لقياس ردود أفعال الجانبين، وأن شيئاً جدياً لم يوضع بعد على الطاولة.

وكان لافتاً أن الحكومة الأردنية، وعلى لسان الناطقة باسمها السيدة جمانة غنيمات، قد سارعت للتعبير عن رفضها لفكرة "الكونفدرالية" بعد ساعات من الكشف عنها، ثنائيةً كان أم ثلاثيةً، فيما يشبه الرد على أقوال الرئيس عباس، مؤكدة من جديدة على ما أسمته "ثوابت الموقف الأردني" القائم على حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

الأردن الرسمي، لم يكتف بما صدر عن حكومته، فالعاهل الأردني حرص لدى استقباله عدداً من كبار قدامى المتقاعدين العسكريين على التساؤل بصيغة استنكارية: "كونفدرالية مع مَنْ؟" قبل أن يعود ويؤكد أن "الكونفدرالية خط أحمر"، مكرراً بذلك، ما دأب على التصريح به في سنوات سابقة، بأن الأردن ليس في وارد الدخول في مشاريع من هذا النوع.

وعلى الرغم من أن التأكيدات الرسمية الأردنية على رفض الكونفدرالية، بأوضح العبارات وأقواها، قد هدأت قليلاً من روع الشارع القلق، إلا أنها لم توقف النقاش حول هذه الفكرة، إذ ما زالت تحظى بالاهتمام من قبل الأوساط السياسية والشعبية، حيث يتكشف الحوار بشأنها عن جملة من المعطيات الرائجة في أوساط الأردنيين، أهمها ثلاثة:

الأول؛ تزايد القناعة لدى غالبية الأردنيين العظمى بسقوط "حل الدولتين" وتآكل فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة، يترافق ذلك، مع اتساع دائرة المعتقدين بأن إسرائيل المسؤولة عن تبديد فرص حل الدولتين، لن تسمج أبداً بقيام دولة واحدة ثنائية القومية، ما يبقي المسرح الفلسطيني مهيئاً لخيارين اثنين، لا ثالث لهما: البحث عن صيغة من صيغ "الخيار الأردني" أو الفوضى الشاملة.

الثاني؛ إحساس كثرة كاثرة من الأردنيين، بأن الأزمة الاقتصادية التي تعتصر بلادهم، واعتماديتهم الكبيرة على المساعدات الخارجية، وبالأخص المتأتية من الولايات المتحدة، سوف يحد من قدرتها على مقاومة الضغوط الرامية لفرض هذا الخيار غير المرغوب، على الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء.

أما الثالث؛ فيتصل، بتنامي قناعة قطاع متزايد من الأردنيين، بإن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، قررتا على ما يبدو، تقويض أركان المشروع الوطني الفلسطيني الثلاثة: "العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس"، حيث بدأت عملية التقويض هذه بقرار الإدارة الاعتراف عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، لتمر باستهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وإعادة تعريف اللاجئ وحصره بالجيل الأول من اللاجئين فقط.. ولن تنتهي بتبديد حق الفلسطينيين في تقرير المصير وبناء دولة مستقلة وقابلة للحياة، وأن ما يجري على الأرض هو تنفيذ متسارع لمندرجات هذا القرار واستحقاقاته.

وإذ يبدي كثيرون ممن تناولوا مسألة الكونفدرالية الأردنية والفلسطينية، ترحيباً بعلاقة وحدوية بين البلدين بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن أكثر هؤلاء، يعتقدون أن "الكونفدرالية" التي عرضها كوشنير – جرينبلات على الجانب الفلسطيني، إنما تستهدف تخليص إسرائيل من "فائض الديموغرافيا" الفلسطينية، واستدراج الأردن للاعتناء بـ"بقايا الجغرافية" الفلسطينية بعد أن تكون إسرائيل استكملت استيطان وضم المساحات التي تريدها من الضفة المحتلة عام 1967.
ويعتقد كثرة من الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء، أن طرح مشروع "الاتحاد الكونفدرالي"، في هذا السياق والتوقيت، سيفضي لا محالة، إلى تحويل الصراع من كونه صراعاً فلسطينياً – إسرائيلياً، إلى صراع أردني فلسطيني حول مسائل الهوية وتقاسم السلطة والثروة، وهو أمرٌ سيتهدد – إن حصل – أمن الأردن واستقراره وهويته الوطنية.

ولا تُخفي شخصيات أردنية من أصول "شرق أردنية" خشيتها من مغبة التحول إلى "أقلية ضئيلة" في بلدها، فالأردنيون من أصول فلسطينية، والفلسطينيون المقيمون في الأردن ممن لا يحملون الجنسية الأردنية، يشكلون حالياً أكثر من نصف سكان البلاد، فكيف سيكون الحال بعد انضمام ثلاثة ملايين فلسطيني من سكان الضفة الغربية إلى "الإطار الكونفدرالي الجديد"، وماذا إن التحق قطاع غزة (مليونا فلسطيني) إلى هذا الاتحاد، علماً بأنه لم يتضح بعد، ما إن كان "العرض الأمريكي" يشتمل على قطاع غزة، أم أن واشنطن تبحث في ترتيب مستقل لمستقبل القطاع ومنفصل عن الضفة الغربية، وربما بترتيب مع مصر، كما كان عليه الحال قبل حرب العام 1967؟

هنا أيضاً، وفي هذا السياق، برز سؤال حول المدى الذي يمكن للأردنيين أن يطمئنوا فيه إلى مواقف الرئيس الفلسطيني والتزام السلطة الموثوق بحل الدولتين وبخيار إقامة دولة فلسطينية، ورفض التساوق مع مشاريع استدراج الأردن ليكون طرفاً في ترتيبات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، والحقيقة أن ضعف الثقة بمستويات الشفافية والتعاون بين الجانبين الفلسطيني والأردني، والمتشكل تاريخياً، لا يبدو أنه تبدد كلياً، فقد عاد السؤال عن "المفاجآت" التي تحتفظ بها القيادة الفلسطينية للأردن، ليطل برأسه من جديد خلال الأيام القليلة الفائتة.

أجواء القلق والرفض الشعبي التي خيّمت على الأردنيين من شتى منابتهم وأصولهم، ربما تكون دفعت المسؤولين الأردنيين إلى الإسراع في الإعلان عن رفض "الكونفدرالية"، وبالتعبير عن هذا الرفض، بلغة قطعية، لا تحتمل التأويل أو الاجتهاد في التفسير ... لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل بددت التصريحات الرسمية بهذا الشأن مخاوف الأردنيين وتحسباتهم، أم أنها هدأت قليلاً من روعهم، بانتظار جولة تالية من حديث الكونفدرالية، جرياً على مألوف ما حصل ويحصل طوال السنوات الماضية؟   

رابط المقال على موقع الحرة:
https://www.alhurra.com/a/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86%D9%81%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B3%D8%B1%D8%B9%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B2%D9%85/458800.html