مقالات > > رسائل زعماء الإرهاب الثلاثة في ظهورهم المتزامن

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-09-02
كتب عريب الرنتاوي

خلال أسبوع واحد فقط، سجل الثلاثة الكبار في عالم الإرهاب، حضوراً إعلامياً بارزاً: أيمن الظواهري تحدث من مخبئه غير المعروف في أفغانستان/الباكستان، حاثاً أنصاره على تصعيد "الجهاد"... أبو بكر البغدادي بث تسجيلاً صوتياً حديثاً تناول فيه معالم مرحلة "ما بعد الدولة" في تجربة "داعش" ساعياً لشد أزر مقاتليه وأنصاره، منتقداً السعودية ومحذراً الأردن... أبو محمد الجولاني، ظهر مع نفرٍ من أنصاره ومقاتليه في "بقعة ما" من ريف اللاذقية، على مبعدة أيام من "أم المعارك" في إدلب المجاورة، في رسالة لا تخفى دلالاتها على أحد.

الظهور المتزامن، غير المنسق للقادة الثلاثة، يتكشف عن حقيقة ويبعث برسالتين: أما الحقيقة الواضحة، فهي أن "الإرهاب العالمي" يواجه تحديات جسيمة، بعد أوسع عمليات المطاردة والتطويق والإبادة التي تعرض (ويتعرض) لها، وخسارته أقاليم واسعة دانت لسيطرته ونفوذه حتى وقت قريب، وأنه على اختلاف مدارسه ومسمياته، يكاد يتحول إلى ضرب من العمل السري، "تحت الأرض"، هنا في المشرق العربي وهناك على الجبهة الأفغانية – الباكستانية.

أما رسائل هذا الظهور المتزامن للقادة الثلاثة، فيمكن إجمالها باثنتين: واحدة خارجية، وموجهة إلى أصدقاء هذه التنظيمات وأعدائها على حد سواء، مفادها أن هذا الجماعات باقية، وإن كفت عن التمدد، وأنها تدخل غمار مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة ورسم الأولويات وما تقرره من أدوات وتكتيكات "جهادية" جديدة ... أما الرسالة الثانية، فداخليه، وتهدف إلى شد أزر المقاتلين المشتتين والمحاصرين والمطاردين في أربع أرجاء المعمورة، وتندرج أساساً في سياق التنافس ببين القاعدة (وامتداداً النصرة) من جهة وداعش من جهة أخرى، وتتوج "حرب الأخوة الأعداء" التي أكلت أخضر التنظيمات الجهادية الأبرز الثلاثة ويابسها.

الصراع بين القاعدة وداعش، الظواهري والبغدادي، عمره من عمر "تنظيم الدولة" تقريباً، وربما يعود إلى مرحلة "أبو مصعب الزرقاوي" في العمل "الجهادي" في العراق.... أما ساحاته ومساحاته، فيتداخل فيها العقائدي بالميداني مع صراع على النفوذ و"الشرعية"، وتمتد بامتداد "الانتشار الجهادي"، ويتخذ في بعض الأحيان شكل حرب الإلغاء والتصفية، ولم ينجح الفريقان، رغم اشتداد التهديدات الوجودية المشتركة في العمل سوياً، ولو على المستوى التكتيكي المحدود في الزمان والمكان، لتفادي الوقوع في كمين "أكلت يوم أكل الثور الأبيض" ... سوريا وفرت مثالاً فجّاً حول مستوى "الكراهية" التي يبديها هؤلاء بعضهم لبعض، إذ آثروا الموت منفردين على أيدي قوات النظام وحلفائه، على أن يمد أحدهم يديه للآخر.

في كلمة البغدادي، دعوة صريحة لشن حرب عصابات متنقلة، ويمكن النظر إليها بوصفها “wake up call”، لكافة "الخلايا النائمة" وضغط على "زر التشغيل" لتفعيل الذئاب المتفردة... لم تعد هناك فروقاً "شرعية" بين ساحات نصرة وساحات جهاد، جميعها اليوم ساحات جهاد، فلا ينتظرن أحدٌ الأذن و"الرخصة"، ولتُمتشق كافة أنواع الأسلحة، بما فيها اكثرها بدائية، وكل هدف سيكون مقبولاً و"شرعياً"، بما فيها أكثر العمليات انحطاطاً كتلك التي وقعت في ضاحية "تراب" الفرنسية قبل أقل من أسبوعين، حيث أقدم داعشي مختل فكرياً ونفسياً وذهنيا، على طعن أمه وشقيقته، وهي العملية التي لم يتردد تنظيم داعش عن تبنيها على الرغم من نذالتها المفرطة.

في هذا السياق أيضاً، يمكن النظر إلى عمليتي "الفحيص" و"السلط" في الأردن، حيث أقدمت خلايا نائمة، محسوبة على التنظيم ومتأثرة بفكره التكفيري، على استهداف عربة للأمن العام، كان أفرادها يقومون على حماية مهرجان الفحيص السنوي، ثم تحصن عددٌ منهم في بناية في مدينة السلطة، شمال غرب عمان، قبل أن تحاصرهم قوات الأمن الأردنية، وتقتل وتعتقل بقية أفراد المجموعة.

النصرة تنتظرها "أم المعارك"، ولديها "إقليم" تحت سيطرتها، وتقيم عليه ما يشبه الإمارة الإسلامية غير المعلنة ... لكن هذا الوضع لن يطول، فالحشود العسكرية في إدلب وحولها، تكاد تكتمل، والجهود التركية لإقناع النصرة بحل نفسها تصطدم بموقف عقائدي "صلب" عبر عنه اثنان من "إيديولوجي" التنظيم: السعودي عبد الله المحيسني والعراقي أبو ماريا القحطاني، اللذان يخوضنا غمار حرب "دعوية" لشد عصب التنظيم ومقاتليه، استعداداً لـ"المنازلة الكبرى".

رهانات النصرة ما زالت معقودة على إمكانية إفلاتها من مصير محتوم في إدلب، وهي في هذا السياق تراهن على "الورقة الإنسانية" لتأجيل قرار الحسم والاجتياح العسكري لآخر محافظة تقع تحت سيطرتها، وتعوّل على مخاوف تركيا وحساباتها، لدفع أنقرة لاتخاذ موقف ضاغط على موسكو وحليفتيها في طهران ودمشق، لوقف قرار استرداد المحافظة، أو تأجيله على أقل تقدير.

والأرجح أن النصرة التي تحتفظ بأكثر من عشرة آلاف مقاتل في إدلب وفقاً لأحدث تقرير للأمم المتحدة، وهو أكبر تجمع "جهادي" في التاريخ، واشتهرت بالابتعاد عن تنفيذ عمليات خارج سوريا، الأرجح أنها ستلتحق بداعش و"القاعدة الأم"، بعد انتهاء المعركة الكبرى في إدلب، والتي تبدو مؤكدة ووشيكة، وقد نستمع لشريط مصور أو مسجل بعد عدة أشهر، يدعو فيها الجولاني أو خليفته أو أيٍ "منظري" التنظيم، أنصاره ومريديه، لشن الحرب على اتساعها، من دون قيود على الجغرافيا والأهداف والأدوات، وهو الأمر الذي ما انفك أيمن الظواهري يفعله منذ سنوات على أية حال، من دون كلل أو ملل، وإن من دون جدوى حقيقية، وهو – الظواهري - الذي أفضى صعود داعش والنصرة في السنوات السبع العجاف الماضية، إلى سحب البساط من تحت قدميه، وأبقاه "زعيماً بلا قاعدة".

العلاقة بين الظواهري والجولاني، أقل توتراً من مثيلتها بين الظواهري والبغدادي، بيد أنها تستبطن خلافات عميقة وصراع محتدم على النفوذ و"الشرعية"، وفي هذا السياق جاء تأسيس تنظيم "حراس الدين" في سوريا قبل حوالي السنة، بصلة مباشرة مع الظواهري وتوجيه منه، بوجه إجراءً وقائياً أو احتياطياً، بعد أن أثارت بعض "تكتيكات" الجولاني واتصالاته التركية – القطرية، مخاوف لدى "وريث ابن لادن وخليفته"، فأمر بتأسيس هذا التنظيم من "حفنة" من "المجاهدين الأجانب" المجربين والمعروفين بولائهم للقاعدة في "طبعتها الأولى"، ولزعيمها الحالي، المصري أيمن الظواهري.

تهديد الإرهاب لم ينته، على أنه انتقل من كونه تهديداً عسكرياً – استراتيجياً (وجودياً في بعض الأحيان) إلى تهديد أمني، مزعج ومقلق بل وخطير، على أنه محدود بهذه المعايير، وأي مبالغة في تصوير حجمه وأثره، أو تقليل من شأن خطورته، إنما تندرج في ثنائية "الإفراط والتفريط" النابع إمّا عن جهل بمنطق هذه الحركات، أو عن مصلحة في تضخيم وجودها أو نفيه.

رابط المقال على موقع الحره:
https://www.alhurra.com/a/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%B2%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%85%D9%86/457728.html