مقالات > > ما بعد "التهدئة"... حين تلتقي مصالح اليمين الديني الإسرائيلي والفلسطيني

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-08-19
كتب عريب الرنتاوي

لا يكاد يختلف اثنان، على أن لحركة حماس "الإسلامية" الفلسطينية، مصلحة، لا تعلوها مصلحة أخرى، في تثبيت دعائم حكمها و"سلطة الأمر الواقع" في قطاع غزة ... فهي فعلت كل ما يمكن فعله من أجل الوصول إلى السلطة في العام 2007، ونفذت انقلاباً دامياً ومكلفاً من أجل هذه الغاية ... وهي قدمت كل ما يمكن تقديمه لإدامة سلطتها والبقاء على رأسها في القطاع المحاصر، طوال إحدى عشرة سنة عجفاء، خاضت خلالها حروباً وعقدت تسويات وتهدئات، تقلّبت بين المحاور والعواصم، كما لم يفعل أكثر التنظيمات الفلسطينية "براغماتية" ... سعت مستميتة للجمع المستحيل بين "منطق السلطة" و"مقتضيات المقاومة"، ودائماً على حساب الأخيرة، وصولاً إلى اتفاق التهدئة الأخير، الذي تنظر إليه حماس بوصفه بديلاً عن مسار المصالحة الوطنية وليس توطئة لها، كما يزعم عددٌ من قادتها والناطقين باسمها.
 
حتى الآن، لا ينطوي كل ما ورد على أية "مفاجأة" في خطاب حماس وسلوكها، بوصفها حركة إسلامية، تنتمي إلى مدرسة إخوانية، لطالما سعت في "شيطنة" مفهوم "القومية"، ولم تحتل مفاهيم كـ"الوطن" و"الوطنية" مكانة جوهرية في خطابها العقائدي، الذي نشأ وتمحور حول ثلاثة أقانيم: الجماعة، الأمة والخلافة... أما بقية المفردات في خطاب الحركة، ومن خلفها الجماعة الأم، من نوع: ديمقراطية، تعددية، تداول سلطة، حقوق انسان، حقوق النساء والأقليات، المقاومة السلمية، الشراكة والمواطنة المتساوية والفاعلة، وبالطبع "الوطن" و"الوطنية" و"القومية"، فهي مفاهيم "وافدة" على خطاب الحركة /الجماعة، و"مستعارة" بالأصل، من أيديولوجيات أخرى، ولم تستقر بعد في وجدان هذه الحركات وصميم تفكيرها، ولم تنعكس في سلوكياتها وممارساتها العملية، وليس من الصعب التخلي عنها، وتركها عند أول مفترق طرق.
 
لكن المفاجأة الكبرى، إنما تتجلى في موجة "التناغم" مع خطاب حماس وأولوياتها، التي انطلقت من معسكر اليمين المتطرف في إسرائيل ... فالوزير الإسرائيلي لشؤون الاستخبارات وعضو المجلس الوزاري المصغر، يسرائيل كاتس على سبيل المثال، يبدي معارضة شديدة لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وربط القطاع بالضفة الغربية، بادعاء أن ذلك يشكل تهديدا مباشرا ويمس بأمن إسرائيل.
 
كاتس أوضح لصحيفة "يسرائيل هيوم"، قائلاً: إن "أي محاولة لإعادة محمود عباس إلى قطاع غزة، وربط قطاع غزة بالضفة الغربية بواسطة الممر الآمن الذي يعبر دولة إسرائيل سيشكل تهديدا مباشرا، ويمس بشكل خطير بأمن الدولة والتوازن الديمغرافي بين إسرائيل والفلسطينيين"، مشدداً على وجوب الاستمرار في سياسة "الفصل المدني بين غزة وإسرائيل (التي تشمل الضفة الغربية على ما يبدو- الكاتب)، ورسم خط حدودي أمني واضح بينهما".
 
الصحيفة ذاتها نقلت عن عضو آخر في المجلس الوزاري المصغر، من حزب "الليكود" اليمني، قوله إن "حماس لن تتنازل أبدا عن السلطة في قطاع غزة، ولذلك فإن مثل هذه الاقتراحات – عودة السلطة إلى غزة - تبدو غير واقعية".
 
أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف، لا يمانع في تحويل غزة إلى "سنغافورة ثانية"، شريطة ألا يفضي ذلك، إلى وحدة الضفة والقطاع، وتحولهما إلى "إقليم واحد" لدولة فلسطينية عتيدة ... الخلاص من غزة، وعدم ربطها بالضفة، مقبول بالنسبة لمعسكر اليمين، حتى وإن عمّ الازدهار أرجاء القطاع، بل وجرى توسيعه في عمق سيناء المصرية.
 
في تشرين الثاني الفائت، تبنى مجلس الوزراء الإسرائيلي قراراً يرفض التعامل مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية، تضم حماس، إلا بعد التأكد من قبول الحركة الإسلامية بالشروط التالية: الاعتراف بإسرائيل، ووقف الإرهاب، نزع أسلحة حماس؛ إعادة قتلى الجيش والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة؛ والسيطرة الأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية على غزة، بما في ذلك المعابر ومنع التهريب؛ مواصلة تفكيك البنى التحتية للإرهاب التابعة لحركة حماس في الضفة الغربية من قبل السلطة الفلسطينية؛ وقطع العلاقة بين حماس وإيران؛ وأن يكون إدخال الأموال والمواد الإغاثية إلى غزة عن طريق السلطة الفلسطينية فقط.
 
بعد أقل من عام على ذلك القرار، تسقط الحكومة الإسرائيلية ذاتها، تلك الشروط مجتمعة، وتقبل التوصل إلى اتفاق "تهدئة" مع الحركة الموصوفة إرهابية، وتُبرم، أو هي على وشك إبرام اتفاق معها، يتخطى "الهدوء" و"التهدئة" إلى تبادل الأسرى، وحل المشكلات الإنسانية في القطاع، بما في ذلك فتح المعابر وإنشاء المطار والميناء، من ضمن ترتيب معين وآلية رقابة وتحقق إقليمية - دولية... فما الذي تغير حتى يصبح المرفوض إسرائيلياً بالأمس مقبولاً اليوم؟
 
المتغير الجوهري الرئيس خلال الأشهر العشرة الفائتة، هو قيام إدارة الرئيس دونالد ترامب ببلورة مبادرة سياسية عرفت إعلامياً باسم "صفقة القرن"، وتجنت الرئيس الأمريكي وإدارته، الحديث عن "حل الدولتين" وتآكل دعم واشنطن لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وتزايد اهتمام واشنطن بقطاع غزة، من منظور إنساني، مثقل بالأبعاد السياسية، الأمر الذي ترتب عليه أزمة في العلاقة الأمريكية – الفلسطينية (رام الله)، وبداية تفكير أمريكي – إسرائيلي جديد، يسمح بالتعامل مع "سلطة الأمر الواقع في القطاع"، بوجود "سلطة رام الله"، والأفضل بعدم وجودها.
 
عند هذه النقطة، وعندها بالذات، تنبهت حماس إلى "الفرصة النادرة" التي تلوح في الأفق، بدّلت من سلم أولوياتها، فلم تعد "المصالحة" مع فتح هي المخرج و"طوق النجاة" لأزمتها في غزة ومع أهلها، بل البحث عن موقع لها في التفكير الأمريكي – الإسرائيلي الجديد، ولو من الباب الإنساني، حتى وإن محفوفاً و"مفخخاً" بأسوأ الاحتمالات السياسية، من نوع أن يكون "الحل الإنساني" مدخلاً لحل سياسي متدرج ومتدحرج، غير مرغوب فلسطينياً، بالنظر لنتائجه الضارة بالمشروع الوطني الفلسطيني (مشروع العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية)، على المديين المتوسط والآجل.
 
وإذ تبدي حماس، حماسة ظاهرة لتفكيك أطواق العزلة والحصار المضروبة حول القطاع، مستندة إلى "توق" شعبي عارم للخلاص من قيود "السجن الكبير" الذي يضم مليوني فلسطيني، فإنها لم تترد في فتح خطوط مع القاهرة، وتسليم الملف للمخابرات الفلسطينية، والإشادة بنظام الرئيس السيسي ورفع صور زعيمه في شوارع غزة وميادينها، وفي نفس الأماكن التي رفعت فيها من قبل، صور قادة الإخوان المسلمين المصريين والرئيس المعزول محمد مرسي وميدان "رابعة" الشهير.
 
وعلى خط موازٍ، لا يقل اليمين الإسرائيلي، المتطرف بخاصة، حماسةً عن الحركة الإسلامية الفلسطينية للوصول إلى هذه "الخواتيم" لأزمة القطاع، ومن دون أن يخفي مراميه البعيدة: منع وحدة غزة والضفة، رفض الممر الآمن بينهما، استناداً إلى مفهوم عقائدي ديني – قومي، رافض لـ"حل الدولتين" ولفكرة قيام دولة فلسطينية (تقرير المصير) فوق "يهودا والسامرة"، دع عنك حق عودة اللاجئين، وهذه الأفكار جميعها تضمنها على أية حال، القانون الموصوف من أطراف عديدة، بالعنصرية والتمييز العنصري: "قانون قومية الدولة اليهودية".

نحن إذن، بإزاء "تجربة حيّة" لنظرية تلاقي التطرف، يمينياً كان أم يسارياً، في الأهداف وإن اختلفت المواقع والخنادق ... نحن بإزاء نموذج نادر عن التقاء مصالح اليمن الديني الإسرائيلي مع اليمني الديني الفلسطيني، على الرغم من العداوة الظاهرية المتأصلة بينهما، وشلالات الدم المراقة في حروب الجانبين ومعاركهما.
نحن بصدد التقاء نادر آخر، بين المنافحين عن "يهودية" الدولة حتى وإن جاءت بنسخة عنصرية وعلى حساب ديمقراطيتها، و"المجاهدين" في سبيل "إسلامية" المجتمع حتى وإن تم ذلك على حساب الدولة ورقعتها الجغرافية وهويتها الوطنية/القومية.

رابط المقال على موقع الحرة :
https://www.alhurra.com/a/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%A6%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A/455542.html