مقالات > > السلة السياسية لحكومة الرزاز (3-5)

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-08-18
كتب عريب الرنتاوي

منذ استئناف الحياة البرلمانية في الأردن (1989)، جرّبت الحكومات المتعاقبة أنماطاً عديدة من الأنظمة الانتخابية، ويمكن القول بقليل من المبالغة (لا كثيرٍ منها)، أن كل برلمان منذ ذلك الحين، انتخب وفقاً لقانون انتخابي مغاير، من الصوت الواحد المجزوء، إلى القوائم النسبية المفتوحة على مستوى المحافظة، مروراً بالقائمة الوطنية "الشوهاء"، وعطفاً على "الدوائر الوهمية"، ولا ندري متى ستنتهي حالة انعدام الاستقرار التشريعي هذه وكيف؟

ليس في الأمر صدفة، والصدفة عندما تتكرر، تتكشف عن "ضرورة" ... والضرورة هنا لا تتصل بالجهل في كيفية دفع مسار الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي، بل بعدم توفر الإرادة السياسية لحفز هذا المسار، وتسجيل اختراقات على دروبه، وها نحن بعد ثلاثة عقود على استئناف التجربة البرلمانية – الحزبية، نراوح مكاننا، في المربع الأول، حتى لا نقول نتقدم خطوة للأمام ونتراجع خطوتين للوراء.

وبقليل من المصارحة والمكاشفة، نقول: أن ثمة هاجسين حكما تفكير المشرّع وصاحب القرار السيادي حيال هذه المسألة: الأول، ويتصل بالخشية من صعود الحركة الإسلامية الأردنية في حال إقرار قوانين انتخابية إصلاحية بحق، وحصولها على "تمثيل" يعادل أو يفوق حجمها ووزنها الفعليين... والثاني، ويتداخل مع الأول، ويتقاطع معه، ويتصل بما يمكن تسميته "جدل الحقوق المكتسبة والحقوق المنقوصة"، ورغبة تيار وازن في الدولة والمجتمع، في اخضاع أي قانون انتخابي جديد، لمعادلة المنابت والأصول وحساسياتها المعروفة... وهنا تبدو الخشية والرغبة على حد سواء، من نوع "المسكوت عنه" على موائد الحوار المحترمة، والمتروك للنهش والإقصاء والإلغاء في مجالس النميمة والملاعب وعلى صفحات "السوشيال ميديا"، فأية مفارقة هذه؟

نضيف إلى هذين الهاجسين، هاجساً ثالثاً، ويتصل برغبة "الدولة العميقة" وامتداداتها، في الإبقاء على الاختلال القائم في العلاقة بين السلطات الثلاث، فالمطلوب أن تظل السلطة التشريعية في مربع التهميش، ولا بأس من شيطنتها وتسفيه دورها ورموزها ومكانتها إن اقتضى الأمر، والمطلوب إبقاء "الفردية" نمطاً سائداً في تشكيل البرلمانات، والمطلوب إطلاق الاستنتاجات المتسرعة عن "موت الحياة الحزبية الأردنية"، والمطلوب استخدام كل هذه الذرائع، وخلق المزيد منها، لتعطيل وصول قطار الإصلاح السياسي إلى محطته البرلمانية القائمة على التعددية الحزبية، وتداول السلطة، واستتباعاً، الدولة المدنية الديمقراطية، دولة سيادة القانون والمواطنة الفاعلة والمتساوية.

بالعودة إلى تجاربنا الانتخابية السابقة، يخلص البعض منّا، عن سذاجة أو غرض، للقول بأننا جرّبنا جميع الأنماط والأنظمة الانتخابية و"لم تزبط معنا" ... لكأن الأردن نسيج وحده، أو لكأن الاستعصاء الديمقراطي في الأردن، مرده الناس والمواطنين، غير المؤهلين وغير الناضجين، الذين لم يبلغوا سن الرشد والفطام ... مع أن نظرة مدققة لكل هذه الأنظمة والأنماط، تشير إلى أنها جاءت "مفخخة"، وعن سبق الترصد والإصرار، فلا مطرح للنوايا الحسنة، أو الجهل في تفسير ما حصل، فلم تكن المعرفة لتنقصنا عن وضع هذه القوانين، ما كان ينقصنا هو الإرادة، ولا شيء غيرها... وكان المقصود بكل "تصميم" وضع لهذه الأنماط والأنظمة الانتخابية، هو الإتيان بالبرلمانات القديمة والمبعثرة ذاتها، وضمان أغلبية وازنة تصوت في كل اتجاه تشتهيه سفن الحكومة، أية حكومة، مع هامش للخطأ والصواب، وآخر لـ "درء العين" أو ذر الرماد في العيون، تراوح جميعها، وفي أحسن الحالات، ما بين 20 – 25 بالمائة من مقاعد المجلس النيابي.

ثم نأتي بعد ذلك، لنلعن البرلمان، ونشتم أعضاءه، ونطلق عليهم سهام النقد والاتهام والتهكم، ونتساءل عن سر إخفاق تجربة الكتل البرلمانية، ونسأل عن غياب السلطة التشريعية عن دورها السياسي والرقابي والتشريعي و"التمثيلي" ... بل وننجح في تحويل هذه الانتقادات والاتهامات، إلى مادة يتداولها الرأي العام وتلوكها الألسن بكل قسوة، فتتوسع الفجوة بين النواب وناخبيهم، وبين سلطة الشعب والشعب نفسه، ويتآكل دور العامود الأول في "النظام النيابي الملكي" الذي نحن عليه.
لسنا بحاجة لمعجزة تهبط علينا من السماء، ولا نحن بصدد اكتشاف النار او اختراع العجلة، لكي نخرج من هذه الحلقة الشريرة المغلقة، ولكي نتجاوز أحجية "البيضة والدجاجة" وأيهما يأتي أولاً: بناء أحزاب قوية قبل تعديل قانون الانتخاب، أو النظر إلى هذا القانون، بوصفة الأداة والطريق والرافعة، لإعادة بناء منظومة حزبية ونظام حزبي أردني، وتخليق "نخبة سياسية جديدة" وإطلاق ديناميكيات جديدة في المجتمع الأردني.

في ظني أن الصيغة الأمثل، لمجتمع يشكو ضعفاً في أحزابه، ونمواً غير مسبوق، لهوياته الثانوية القاتلة، وانكفاءات جهوية ومناطقية وعشائرية وحمائلية ومنابتية مفجعة، هي في جعل الأردن من شماله إلى جنوبه، ومن باديته إلى نهره المقدس، دائرة انتخابية واحدة، وانتخاب جميع أعضاء المجلس النيابي بقوائم وطنية مفتوحة، يترك على متنها مقاعدة مضمونة "محجوزة" للنساء والأقليات والمناطق ذات الاحتياجات التنموية الخاصة ... على ان يجري تقليص عدد أعضاء المجلس (لوجود اللامركزية كذلك)، وتخفيض سن الترشيح، واعتماد أنظمة لاحتساب القوائم الفائزة، تضمن وجود كتل حزبية وازنة، على ان يراعى وجود حزب أو أكثر، كحد أدنى في كل قائمة وطنية متنافسة، أو أن تلزم القوائم غير الحزبية، بالحصول على تزكية من عدة آلاف من الناخبين (يتفق على الرقم) لضمان جدية المشاركة، وتفادي تشتيت الأصوات وازدحام القوائم، وتفتت المجلس النيابي وتوزعه.

ولأننا نعرف أن صيغة كهذه، سينظر لها بوصفها "انقلاباً في المشهد" وتغييرا ثورياً في قواعد اللعبة"، وضربة نجلاء لكل المخاوف والهواجس، فإننا نقترح البديل الثاني عن الصيغة الأولى، وهو اعتماد نظام مختلط، يُنتخب بموجبه نصف أعضاء مجلس النواب وفقاً للصيغة السابقة (الأردن دائرة واحدة، وقوائم وطنية – حزبية مفتوحة)، أما النصف الثاني من المقاعد، فينتخب على أساس التمثيل النسبي على مستوى المحافظة، من دون أن يترك لمقص الحكومة، تفتيت المحافظات الثلاث الكبرى كما حصل في الانتخابات السابقة، مع مراعاة تمثيل النساء وفقاً للاستراتيجية الوطنية للمرأة (30 بالمائة)، وإعادة النظر في شروط ترشح ممثلي المكونات الأخرى والنساء والدوائر المغلقة (التي آن أوان فتحها) ... مثل هذه الصيغة، من المفترض أن تهدئ من روع المتخوفين والمتوجسين والمهجوسين، فهي من النوع القابل للهضم والاستيعاب، وليست "قفزة في المجهول"، كما قد يخشى البعض .... مثل هذه الصيغة، بحاجة لـ" قرار سيادي كبير" إن كانت قضية الإصلاح والتغيير ومضامين الأوراق النقاشية السبع، مطروحة فعلاً على جدول أعمالنا، قولاً وفعلاً، وليست نوعاً من ترف المجالس ومادة تصلح فقط لأحاديث الساسة والمثقفين، فهل نجرؤ؟
وإلى غدٍ، وحديث عن الشباب