مقالات > > سوريا: انقلاب المعادلات... والتحالفات

مقالات - الحرة - التاريخ: 2018-07-22
كتب عريب الرنتاوي

ثلاثة تطورات "نوعية"، شهدتها سوريا في الأسابيع القليلة الفائتة، كانت كفيلة بتغيير قواعد اللعبة في هذه الأزمة المفتوحة منذ ثمانية أعوام، والإيذان بتحولات وشيكة في الاصطفافات والتحالفات الإقليمية والدولية، في سوريا وحولها.
 
التطور الأول، والأهم، تجلى في التقارب الأمريكي – الروسي، الذي بلغ حداً غير مسبوق في "هلسنكي"، والمؤسس في الأصل، على تفاهمات روسية – إسرائيلية صلبة، صاغتها وبلورتها، ثماني قمم جمعت بنيامين نتنياهو بفلاديمير بوتين ... هذا التطور، كان كفيلاً بإحداث انهيار سريع للجبهة الجنوبية الموزعة على محافظات ثلاث: السويداء، درعا والقنيطرة، حيث أمكن لقوات النظام السوري، وبحد أدنى من "المقاومة"، من إعادة بسط سيطرتها على معظم هذه المناطق، فيما تكفلت المصالحات والتسويات، بتوفير عبور آمن لهذه القوات إلى خط الحدود مع الأردن والجولان المحتل، وما هي إلا أيام قلائل، حتى تعود قوات النظام للانتشار على كامل خطوط اتفاق "فك الاشتباك – 1974"، وعودة قوات "الأندوف" الأممية لممارسة دورها المعتاد في المراقبة والتحقق وحفظ السلام.
 
التطور الثاني، الذي لا يقل أهمية، تمثل في شروع الجانبين السوري والكردي، النظام وقوات سورية الديمقراطية، في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، في سوريا وخارجها، من أجل الوصول إلى اتفاق سياسي أو رزمة شاملة، تمكن النظام من بسط سيطرته على كامل مناطق تواجد قوات "قسد"، نظير التزامه حفظ حقوق الأقلية القومية الكردية في إطار "السيادة السورية"... مثل هذا التطور، ما كان ممكناً أو متوقعاً، لولا هبوب رياح الانفراج بين موسكو وواشنطن، ومن دون إحساس الأكراد العميق، بأن واشنطن، لن تحفظ وعدها لهم، كما فعلت مع أشقائهم في الشمال الغربي لسوريا، وكما فعلت من قبل، مع أشقائهم العراقيين.
التطور الثالث، قيد التشكل، ولم يطل برأسه كاملاً بعد، ويدور حول إدلب، التي باتت أكبر تجمع لمقاتلي "القاعدة"، لم يشهد تاريخ الجماعات الإرهابية، نظيراً له من قبل، حيث يعتقد بأن هذه المحافظة "الاستراتيجية"، تقف على عتبات حل دبلوماسي متعذر، وخيار عسكري يرقى إلى مستوى "أم المعارك" في الحرب السورية، وربما آخرها على الإطلاق.

ويمكن أن نضيف إلى التطورات الثلاثة السابقة، "تطوراً رابعاً" لم ترتسم معالمه بعد، وهو متأسس أيضاً على التقارب الأمريكي – الروسي والتفاهمات الروسية الإسرائيلية، ويشير إلى بداية تغير في "نبرة" الحديث السوري عن إيران، إذ بالرغم من التصريحات الرسمية التي لا تكف عن الإشادة بدعم إيران وحزب الله للنظام، إلا أن ذلك لم يمنع صحف النظام ذاته، من توجيه انتقادات حادة للرئيس حسن روحاني ومستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي، لقولهما أنه "لولا إيران لسقطت دمشق في يد داعش"، الأمر الذي اعتبرته صحيفة الوطن المقربة من الأسد، بمثابة إهانة للجيش السوري، مع أنها ليست المرة التي تصدر فيها مثل هذه التصريحات عن مسؤولين إيرانيين... هذا التطور، ما كان ممكناً لولا اطمئنان النظام لبقائه، ولولا إدراكه للتحولات في الموقف الأمريكي حيال الأزمة السورية.

أمر الجنوب حسم لصالح النظام، ولم يتبق سوى "جيب داعشي" في حوض اليرموك، يجري العمل على اجتثاثه، وما هي سوى مسألة وقت، حتى يعاود معبر جابر/نصيب العمل كالمعتاد، ويستعيد دوره كأحد أكثر المعابر البرية السورية حركة وازدحاماً بالمسافرين والبضائع، وحتى تعود رايات الأمم المتحدة الزرقاء، ترفرف على خط فصل القوات بين سوريا وإسرائيل.... هنا تتعين الإشارة إلى انتقال الأردن من دور الداعم لفصائل جنوبية معارضة، إلى دور الوسيط في إتمام التسويات والمصالحات، وهو تطور أملته التحولات في موازين القوى والتغير في خريطة المواقف والتحالفات.

أما مصير الشمال الشرقي، ومعه قاعدة "التنف" على المثلث الحدودي الأردني – السوري – العراقي، فقد وضع على نار القناة الثنائية "ترامب – بوتين" الحامية، وسط معلومات عن انقلاب في مواقف الأكراد، وهبوط حاد في سقوف توقعاتهم ورهاناتهم، وتقارير من الجنوب الشرقي، تتحدث عن انهيار في معنويات المجموعات المسلحة التي تدور في "كنف" القاعدة الأمريكية، وشروعها في إرسال العروض والمقترحات، عبر وسطاء محليين، لتسوية أوضاع قادتها ومقاتليها، والالتحاق بركب المصالحات والتسويات ... القتال لم يعد خياراً عند معظم الجماعات المسلحة، باستثناء داعش والنصرة.

فيما إدلب والشمال الغربي (مناطق عمليات درع الفرات وغصن الزيتون)، فهي تثير الكثير من الخلافات والتباينات، ومستقبلها ليس معروفاً بعد، بخلاف بقية الجغرافيا السورية، والسبب في ذلك يعود لأمرين اثنين: الأول، أن تركيا لا تريد مصيراً شبيهاً بمصير الغوطة والجنوب السوريين، وهي ترفض أن يكون خفض التصعيد، طريقاً مختصراً للحسم السياسي والعسكري لصالح النظام ... والثاني، أن ثمة عشرات ألوف المقاتلين في هذه المحافظة، معظمهم من النصرة ومن فصائل قريبة منها، لديها الاستعداد لخوض قتال شرس وطويل الأمد، قد يجعل موسكو ودمشق، تفكران طويلاً وملياً، قبل أن تُقدما على اتخاذ قرار الحسم.

بدايات الاشتباك في إدلب وحولها، انطلقت من داخل "نادي أستانا"، حين أبلغ أردوغان نظيره الروسي، بأن بلاده قد تنسحب من دورها الراعي لمسار خفض التصعيد، إن حاولت قوات النظام السوري اقتحام المحافظة، ليندلع بعد ذلك بقليل، اشتباك دبلوماسي وإعلامي بين انقرة وطهران حول إدلب، ففي الوقت الذي تسعى فيه تركيا إلى إطالة أمد خفض التصعيد، والحفاظ على الوضع القائم، تريد إيران، حسم الموقف، فيما دمشق، لا تكف عن التأكيد على أن "الدور سيأتي على إدلب"، وتحتفظ موسكو بأوراقها قريبة من صدرها، وتكتفي بإطلاق التصريحات الفضفاضة، التي يُفهم منها تارةً، الالتزام بخفض التصعيد، بما يرضي تركيا، وتشف تارة ثانية، عن الإصرار على محاربة النصرة بوصفها جماعة إرهابية، وبما يرضي دمشق وطهران... لكن تجربة "القيصر" مع مناطق خفض التصعيد الأخرى، لا تثير أي ارتياح من أي نوع عند "الباب العالي" في أنقرة.

والحقيقة أن هذه التطورات جميعها، ما كانت لتتسارع لولا التسارع الملحوظ في تطور العلاقات الأمريكية - الروسية ... وإن تأكد بأن ثمة قمة ثانية بين ترامب وبوتين في واشنطن في الخريف القادم، فإن من المنتظر، أن تتسارع وتيرة انهيار ما تبقى من الجماعات المسلحة، وأن يواصل أكراد سوريا جنوحهم للتقارب مع دمشق، ليس حباً فيها أو شوقاً لما كانت عليه حالهم من قبل، وإنما تفادياً لأسوأ السيناريوهات والكوابيس المتمثلة في سقوط مناطقهم تحت سيطرة الأتراك والمليشيات المتحالفة معهم.
أما تركيا، فالأرجح أنها تتابع بكل القلق، ميل واشنطن المتنامي لتسليم سوريا لروسيا، نظير استعداد الأخيرة للعمل على تقليص الوجود العسكري لإيران وحلفائها في سوريا، وتحويل الدور الإيراني من دور عسكري إلى دور اقتصادي وسياسي كما تقول مصادر موسكو ... والأرجح أن تركيا تقف على أبواب مراجعات سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية هذه الأيام، وتواجه أسئلةً صعبة، لا أجوبة سهلة عليها، منها على سبيل المثال لا الحصر: هل ستتخلى عن موقفها الرافض التفاوض مع نظام الأسد والتعاون معه، بعد أن تكرس وجوده لسنوات عديدة قادمة؟ ... ما مصير ألوف المسلحين المحسوبين عليها، والذين لم تتوقف عن مدهم بالمال والسلاح والعتاد والتدريب؟ ... ماذا عن ألوف المقاتلين الذين يتبعون لجبهة النصرة، وهل من "ملاذ آخر" لهم، إن هم فقدوا ملاذهم الأخير في إدلب، سيما وأن كثيرين منهم من الأجانب الذين لا يرغب أحد في استضافتهم، بل ولا ترغب دولهم في استعادتهم؟

إدلب "أم المعارك" وآخرها في سوريا، وإدلب التي تختزل كافة تعقيدات الأزمة السورية وتشعباتها، ستكون على موعد مع "الحسم" قريباً، سياسياً أم عسكرياً، والأرجح بمزيج من الأمرين معاً ... إدلب قريباً ستكون في صدارة نشرات الأخبار وعلى الصفحات الرئيسة للصحف والمواقع الإخبارية.... ومن إدلب سيصدر "النبأ الأخير" عن الأزمة السورية.

رابط المقال على موقع الحرة:
https://www.alhurra.com/a/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%AA/448391.html