مقالات > > كل عام وأنتم بخير

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-06-15
كتب عريب الرنتاوي

سأستميح "أبو الطيب" المتنبي العذر في الامتناع عن ترديد صدر بيته الشهير "عيدٌ بأي حال عدت يا عيد" هذه المرة... لفرط تكراره وترداده ... تاركاً المهمة لعشرات غيري، سيجعلون منه عنواناً لمقالاتهم وتعليقاتهم ... رغم أنني لم أعد أذكر طيلة عقود حياتي، أننا صادفنا عيداً من الأعياد، بوضعية أفضل من العيد الذي سبقه، والأرجح أننا سنظل على الحال، لسنوات عديدة قادمة، فلا قعر مرئياً لحالة التردي التي نعيشها في الدول والمجتمعات الناطقة بلسان الضاد.
 
وسأختلس فسحة من يومياتكم الحافلة بأنباء التكليف والتأليف، وتداعيات الأزمة و"الدوار الرابع"، وصفقة القرن ومصير القدس، سيادة ورعاية... وميناء الحديدة الذي ينزف دماً بأعلى من منسوب الذي يتكئ عليه ... وسنبتعد قليلاً عن هواجسكم حول درعا والجبهة الجنوبية، أو العراق والحريق الذي نشب في ثوب العملية السياسية، وكاد أن يعود به إلى سني الاقتتال المذهبي/الطائفي العجاف.
 
ولأنني قررت أن أسعد بالعيد، وأن أجعل لي من اسمه (عيد الفطر السعيد) نصيباً، فقد وجدتني أعود للوراء، أزيد من خمسين عاماً، استرجع فرحة العيد ودهشته، وذكرياته المحفورة في أعماق العقل والقلب والضمير والذاكرة ... أعود إلى حارات مخيم الوحدات وأزقته، وكيف كانت تزهو بأعيادها، رغم الفقر البالغ ضفاف الإملاق، والبؤس الذي يغلف المكان من جهاته الست، وليس الأربع فقط.
 
وأذكر أن عيد الفطر تحديداً، كانت له مكانة مقدمة على عيد الأضحى المبارك، لدينا نحن الصغار على وجه الخصوص... فهو يأتي بعد انقطاع طويل عن "العيد الكبير"، بخلاف الأخير الذي يداهمنا قبل أن يفارقنا مذاق "العيد الصغير" وحلاوته، كما أنه يأتي في مختتم الشهر الفضيل، وبعد معاناة طويلة مع الصوم، وتغيير شامل في أنماط الحياة وطقوسها ... كانت للعيد الصغير بهجة خاصة، سيما أنه غالباً، وربما دائماً، ما كان مرتبطاً بالثياب والأحذية الجديدة، وهو "ترف" غير مضمون في العيد الكبير، حيث بالإمكان غسل ثياب العيد الذي سبق وكيّها، وإعادة ارتدائها، فلم يمض سوى سبعين يوماً أو نيف على شرائها، وشراء ثياب وأحذية جديدة، لم يكن أمراً في المتناول، وهو مقتصر على المناسبات العزيزة والنادرة أو المتباعدة، وعيد الفطر كان أحدها، وكان ذلك، مبعث سرور وسعادة إضافيين في كل الأحوال.
 
والعيد الصغير مرتبط إلى حد كبير، بسهر الليالي، ليس في المقاهي والمطاعم والخيم الرمضانية، فلم نكن قد عرفنا أن شيئاً كهذا موجود أصلاً ... بل في الشوارع والأزقة، سيما حين يكون الطقس مؤاتياً، وكانت العشر الأواخر من رمضان، تنتهي عادة بحفلات صنع الكعك والمعمول، وخبزها في "فرن المخيم"، فلم تكن أفران الغاز قد حلّت محل "بوابير الكاز" في منازلنا ... والليل الذي كنّا نسميه "أبو ساتر"، كان يتيح لنا الالتقاء في أوقات غير مألوفة، مع ساعات الفجر الأولى أو قبلها، وكانالصبية والفتيات، يتلاحقون إلى الفرن وعلى رأس كل واحد منهم/ن "فرش الكعك"، ليكسب دوراً متقدماً عند "مصطفى الفران"... أما الليل والأزقة الضيقة والتنقل الحر والمسموح في الهزيع الأخير منه، فكانت جميعها عوامل مساعدة للتحرشات التي لم تكن جميعها بريئة، وتبادل نظرات الإعجاب، ولا بأس من بعض اللمسات كذلك.... كان العيد فسحة تمنح "الشرعية" لنوع حميم من الاختلاط و"العشق الممنوع".
 
كان أبي يرحمه الله، يحرص على إتمام التسوق للعيد مبكراً، خصوصاً ما اتصل من مشترياته بالثياب والأحذية، وكان يتعين علينا مرافقته إلى "باتا" أو "عصفوركو" في وسط البلد لابتياع الأحذية بشكل خاص، أما الثياب فمن المحلات الممتدة من "هاشم" وحتى الجامع الحسيني... وكنّا نعرف سلفاً، فلا نجادل، بأن الذكور منّا سيلبسون نفس الثياب والأحذية، والاناث كذلك، الفوارق في الأحجام والقياسات فقط، أما النوعية والألوان، فكانت ذاتها، وكانت له نظرية في ذلك، قوامها عدم التمييز بين الأبناء، وإغلاق باب المنافسة والتباهي أمام أي منّا ... لا مطرح لـ"الغيرة القاتلة" في قاموس الوالد وثقافته.
كان يذهب مبكراً، إلى "مصرف الرافدين"، قرب سينما الحسين في وسط البلد، فلديه هناك أصدقاء، يزودونه بعشرات القروش و"الشلونة" و"البرايز" و"القرطات" شديدة اللمعان، التي لم تملسها يد إنسان، تأتي مغلفة ومفروزة، كما وردت من البنك المركزي، وقليل من الدنانير وأنصاف الدنانير، ذات الحواف الكفيلة بجرح الكف، لم أر مرة واحدة، ورقة خمسة دنانير أو عشرة دنانير، ضمن المبالغ المحضرة بعناية، وبقدر، لتوزيعها عيديات علينا نحن السبعة، إخوة وأخوات.
 
لكن بريق الدراهم هذه كان يخطف الألباب، وقد اشتهر عنّا أننا في كل عيد، نحظى بأمر كهذا، حتى أن أحد أبناء الجيران "المدلعين"، كان ينتظرني بفارغ الصبر، ليبادلني قروشي البرّاقة، بقروشه "المطفية" لفرط تداولها ... وكنت دائماً في وضعية تمكنني من المساومة على "نسبة فائدة" محترمة، وكنت غالباً ما أظفر بما أريد، مع أنني كنت أتألم لتبديد قروشي "اللميعة".
 
كنّا نطوي الثياب ونضعها تحت فراشنا، ونحرص على إبقاء أحذيتنا الجديدة على مقربة منا عند النوم، أما الدقائق الأولى للسير في أزقة المخيم وحواريه غير المعبدة في تلك الأزمنة، فكانت كابوساً يؤرق مضاجعنا، فكيف لنا أن نركض ونلعب كما نشاء ونهوى، وأن نحافظ على نظافة الحذاء الجديد في الوقت ذاته، كانت مهمة شاقة، لا نقوى على إنجازها، إلا بعد أن يجرفنا قطار اللعب وتأخذنا حمّى اللهو.
 
يوم العيد لا يبدأ بالإفطار الصباحي المعهود، فهو متأخر بالعادة، وغالبا ما كان يتكون من "صينية معاليق" محمرة بالفرن، ما أن تصل إلى البيت من فرن المخيم، حتى نكون قد قضينا ثلاث أو أربع في اللعب والركض والتأرجح على المراجيح المعدة على عجل في ساحة قريبة، وسط صيحات لا تنقطع "قويها بنجدد".
 
كنّا نرافق "المسحّر"، وهو يطوف ببيوت المخيم، يجمع "العيدية" وما تيسر من أجر عن قيامه بمهمة إيقاظنا لتناول طعام السحور، وكنّا نحرص على تذكيره بكل بيت من البيوت، مخافة أن يسهو عن أحدها، ونطلب إليه أن يقرع الطبل بقوة، في محاولة لاسترجاع ما كان يفعله في ليالي الصوم الطويلة ... أعترف بأنني ما زلت أطرب لصوت المسحر، وأفرح عندما يمر ببيتنا بين حين وآخر.
 
لم تكن بلاغات رئيس الحكومة ولا تحري هلال الشهر، كافيان لإقناعنا بأن العيد قد جاء، كانت أصوات "مدافع العيد" تسمع بوضوح من حارتنا، وكانت تكبيرات المصلين في الجامع الوحيد في المخيم آنذاك، وحدها الكفيلة بطرد الشك باليقين، والدليل الدامغ على "ثبوت الرؤيا"... ما زالت أحب سماع صلاة العيد، وأكره التداخلات عندما تأتي من أكثر من مصدر.
 
كان أبي على سباق محموم وفي كل عيد، مع صديقه "عوض أبو رقية"، من منهما سيزور الآخر قبلاً، وفي كل مرة، كان أبو رقية رحمه الله يكسب السباق، فهو بخلاف أبي، كان يحرص على أداء صلاة العيد، ويأتي بعدها مباشرة إلى منزلنا، متأبطاً كيساً من السكر (رطل سكر)، كانت إطلالته كل عيد، محببة إلي، فهي إيذان آخر، بأن العيد قد حلّ، وأننا سنمضي ثلاثة أيام مختلفة.
 
يوميات العيد، كانت معروفة ومحفظة عن ظهر قلب، لسنا بحاجة لوضع أجندة أو لمن يذكرنا بها ... الضيوف هم هم، والزيارات هي هي، وبرامج ألعابنا تراوح ما بين "المراجيح" التي يعاد بناؤها كل عيد، إلى شراء الألعاب الرخيصة ذاتها ومن أقرب دكان ... وأبعد مسافة كنا نصلها هي القويسمة أو الأشرفية... لكنها مع ذلك، كانت أياماً مشحونة بالإثارة الفرح والسعادة، لا أحسب أنني عشت إثارة مماثلة أو فرح عامر وغامر مثلها، سقى الله تلك الأيام، فالبساطة الرضى، نعمة لا يقدر معناها سوى الأشقياء مثلنا، المنهكين بيوميات وهموم أزمنتنا الراهنة.