مقالات > > عن الإضراب ورسائله

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-06-01
كتب عريب الرنتاوي

إضراب نظيف، منظم وحضاري، وطني بامتياز، انخرط في أنشطته الأردنيون من شتى المنابت والأصول رددت صداه الجغرافيا والديموغرافيا الأردنيتين، في سابقة غير مألوفة على هذا النحو منذ سنوات طوال... نساء ورجال، شيباً وشباناً ... الطبقة الوسطي الأردنية، نخبة النخبة، من مهندسين وأطباء ومحامين وصحفيين وممرضين وغيرهم، تصدرت الصفوف وقادت المشهد... تفرق المشاركون حول عناوين ومرجعيات وخلفيات وأولويات عديدة، وجمعهم الهم الاقتصادي المشترك ... من لم تجلبه السياسة إلى المعترك الشعبي، جاء به الاقتصاد إلى حلبة السياسة ... لا مطرح للاتهامات المعلبة الجاهزة، لا أجندات خارجية ولا "مندسين"، صوتهم تردد بقوة: الشعب يريد إسقاط قانون الضريبة الجائر.
 
على الحكومة أن تصغي لدويّ أصواتهم ونبض قلوبهم وضمائرهم، وخواء جيوبهم ... والحكومة "المرنة"، هي تلك التي تقدم "التنازلات" لشعبها، لا مطرح للمكابرة والعناد حين يتصل الأمر بالعلاقة بين المواطن وحكومته ... "التنازل" تعبير عن قوة، والمكابرة هروب للأمام، وهي أقرب للمقامرة والاستعلاء، وليست هذه من السمات المُؤَسِسَةِ لسياسات الدولة الأردنية، التي اشتهرت بلين الأداء، وتفادي القطع والكسر، والاحتواء الناعم في كل الحالات، أو أغلبها على الأقل.
 
في معنى الإضراب، أن الشعب ملّ الوعود الهوائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع ... الإضراب أكد ما ذهبت إليه الاستطلاعات عن تراجع مكانة الحكومة لدى الرأي العام، وعلى نحو "أصدق أنباءً..." .... وفي معنى الإضراب، أن الشعب فقد ثقته بمؤسسته البرلمانية المنتخبة، وأن الأحزاب السياسية ما زالت "خارج السمع"، وهي ليست بالعنوان الذي تزحف نحوه الجموع.
 
والنقابات بصفة عامة، والمهنية على نحو خاص، استعادت دورها التاريخي، كمظلة للعمل الوطني العام، ولا أقول العمل السياسي ... إضعافها لم يكن خياراً صائباً من الحكومات المتعاقبة، والاستئثار بها والهيمنة عليها من قبل أي طيف سياسي بعينه، ليس خياراً أبداً، وهي وسيلة إضعاف لها، لا سبيلاً لتقويتها وتعزيز دوريها المهني والوطني سواء بسواء.
 
والحوار الوطني، الجاد والمسؤول، للوصول إلى تفاهم عريض حول فلسفة الضريبة ووظيفتها وأدواتها وأرقامها، بات أكثر من ضروري، في ضوء اتساع الشقة بين المواطن والمسؤول، فلا أحد يريدها "كسر خشوم"، وليس من مصلحة أحد، إضعاف الحكومة ولا ترك ندباً لا تشفى لدى المواطنين ... انحباس قنوات الحوار، والاستقطاب المقلق، طريق معبد بالأشواك، وهو ينذر بتداعيات مقلقة، إن لم تكن على المدى الفوري، فعلى المستوى المتوسط والبعيد.
 
وإن لم يحدث ما نتمناه ويتمناه الأردنيون جميعاً، فلا مندوحة عن تدخل المراجع والمرجعيات في الدولة، فالوضع بلغ حداً لا يقبل المماطلة والتسويف والتجريب .... والتدخل الذي نقترح، يتخطى معالجة المشكلة الراهنة، مشكلة القانون، إلى اجتراح طريق آخر، يبدأ بتفعيل الأوراق النقاشية وترجمة أفكارها، بدءاً بحوار جاد وملزم، حول قانون انتخاب جديد، صديق للأحزاب ويعتمد النسبية المفتوحة على المستوى الوطني ... وينتهي إلى تبكير الانتخابات والخروج ببرلمان يضمن صحة التمثيل وعدالته وفاعليته.

والحكومة البرلمانية التي وعدنا بها منذ سنوات، باتت اليوم مطلباً ملحاً لدفع مسارات الحوار والاحتواء وحفز عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ... حكومة قوية وبرلمان قوي، هما "مصدات" الدفاع المجربة عن نظامنا السياسي ... وقد آن الأوان لكي ندرك بأن برلمان، مُتعِب ومشاغب، أفضل بكثير من برلمان، تبدو نتائج تصويته على أية قضية، محسومة سلفاً.
 
إن الأمن والاستقرار، تعزيزهما وتحصينهما، هما مطلب الأردنيين جميعاً ومصلحتهم الوطنية والفردية تقع هنا، وهنا بالذات ... لكن الأمن لن يستحيل أماناً والاستقرار لن يولد الرخاء، إن لم يجر تحصينهما بأوسع أشكال الانفتاح والمشاركة والتمثيل في النظام والعمليات السياسية الجارية في بلادنا ... ولقد جربت دول ومجتمعات، الأمن الخشن، بمفهومه الضيق، وشهدت تجارب عديدة الأثر المدمر لتفشي "حالة الإنكار" وشيوعها، و"الشاطر" من تعلم دورس غيره، لا من يجعل من نفسه، حقل تجارب، ومختبراً للفرز بين الغث والسمين.