مقالات > > منابع القلق و"حالة الإنكار"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-05-27
كتب عريب الرنتاوي

شحنة القلق التي تجتاح قطاعاً واسعاً من الأردنيين، تنتقل بسرعة إلى ضيوف الأردن وزائريه، والمؤكد أن موضع متابعة وبحث وتمحيص، من قبل الدوائر المختصة في العواصم الإقليمية والدولية المعنية ... حتى أن السؤال حول: ماذا يجري في الأردن؟، أو أين يتجه الأردن، وكيف يتدبر أمره استقراره ومعاشه في إقليم مضطرب من حوله، وما هي فرص نجاحه في مهمته لتعزيز أمنه وسلامه الأهليين، هل عينة من الأسئلة التي يصدمك بها جميع من تلتقيهم في الخارج تقريباً، سيما من قبل أصدقاء الأردن والمهتمين بأمره.
 
ثمة منابع عدة لقلق الأردنيين، الذي يشع على الآخرين، وينعكس في أسئلتهم وتساؤلاتهم: (1) تطورات الموقف الأمريكي – الإسرائيلي من المسألة الفلسطينية، وتحديداً من قضية القدس والمقدسات والرعاية الهاشمية ... (2) العلاقات الغامضة بين عمان وعواصم خليجية عدة، حيث تنسج بهذا الصدد، عشرات القصص والحكايات، التي تراوح ما بين حديثٍ عن "تأزم" و"تجاوز" و"تخلي" وغير ذلك من مفردات، غير مسبوقة في وصف العلاقة بين الجانبين ... (3) الضائقة الاقتصادية التي تعتصر الأردن والأردنيين، وتحول عمّان إلى واحدة من أغلى العواصم في المنطقة، يكتوي بنار أسعارها المرتفعة المواطن والمقيم والزائر على حد سواء ... (4) انفجار العنف المجتمعي، وتزايد المشاجرات العشائرية والعائلية، وتصدرها عناوين التقارير والتغطيات الصحفية الصادرة من عمان، إلى غير ما هنالك من تحديات، لا يمكننا سردها في هذه العجالة.
 
لأول مرة منذ حرب الخليج الثانية (1990)، يدخل الأردن مرحلة "انعدام اليقين" في علاقاته مع أقرب حلفائه ... خصوم الأردن التقليديين، لم يعودوا موجودين، وإن وجدوا، فهم في حالة من الضعف والتفكك ... حالة من "عدم اليقين" تسود علاقات الأردن بواشنطن، ففي الوقت الذي يسعد فيه المواطن والمسؤول بزيادة المساعدات الأمريكية المالية والعسكرية والاقتصادية للأردن، فإن موجة من القلق تجتاح الجميع، جراء السياسات الرعناء والمتطرفة التي تنتهجها هذه الإدارة في الملف الفلسطيني بخاصة، وملفات المنطقة بعامة ... هنا، يمكن أن يقال أن صداقة واشنطن مكلفة جداً للأردن، وربما ستصبح فاتورتها أكثر كلفة عليه من عداوتها، شأننا في ذلك شأن عدد آخر من دول المنطقة.
 
وعلاقات الأردن بدول خليجية وازنة، تدخل بدورها، وبالتوازي، في حالة "انعدام يقين" كذلك ... لا مساعدات ولا استثمارات، والأهم فإن نذر تلوح في الأفق لعودة العمالة الأردنية في الخليج إلى موطنها، بفعل عوامل الاقتصاد وليس السياسة فقط ... وثمة مخاوف كامنة، من مغبة الرغبة الجامحة لدى بعض تلك الدول، في "الهرولة" للتطبيع مع إسرائيل، والقفز من فوق الأردن ودوره ومصالحها، بل ومزاحمته على هذا الدور، وفي كل الأحوال تجاهل حساباته ومصالحه الأكثر عمقاً وحساسية.
 
عن الاقتصاد وتردي المنظومة القيمية والأخلاقية، وتفاقم الهويات الثانوية وتغولها على الدولة وسيادة القانون، وتراجع مسار الحريات والتحولات الديمقراطية ... عن كل ذلك، حدّث ولا حرج، فتلكم أحاديث المجالس الاجتماعية التقليدية ووسائط السوشيال ميديا التي تكاد تحل محلها، وتسطو على وظائفها في تداول المعلومة والتعبير عن الرأي.
 
والحقيقة أننا في الوقت نشاطر فيه كثيرين مشاعر القلق والترقب والتحسب، ننظر بكثير من عدم التصديق، للتصريحات المفرطة في التفاؤل التي تصدر عن بعض المسؤولين، و"حالة الإنكار" التي تعيشها بعض أوساط النخبة الحاكمة لما يجري في بلادنا ومجتمعنا ... مثل هذه الحالة، تعمق القلق بدل أن تبدده، وتنزع الإحساس بالطمأنينة من عقول وقلوب المواطن والمقيم والزائر على حد سواء.
ليس الأردن في دائرة الأضواء، ولا تتصدر أخباره مانشيتات الصحف وعناوين نشرات الأخبار، بيد أن الأسئلة عنه والتساؤلات القلقة حول مستقبلة، لا تتوقف عن الجريان، وعلى ألسن كثيرة، وفي غير محفل وصعيد.