مقالات > > "الإقليم" كما بدا من داكار

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-05-11
كتب عريب الرنتاوي

تعذر على راشد الغنوشي زعيم "النهضة" التونسية الحضور إلى داكار، نظراً لتزامن انعقاد المؤتمر التاسع للحركة الديمقراطية العالمية مع أول انتخابات بلدية تجري في تونس منذ ثورتها، فاكتفى بإرسال كلمتين: واحدة مكتوبة بعناية، وبلغة انجليزية جيدة للغاية، وأخرى مسجلة، مرتجلة على ما يبدو ... بدا الفارق واضحاً بين الكلمتين، كعادة القادة الإسلاميين وغيرهم من القادة العرب حين يتحدثون بالإنجليزية، يبدو خطابهم أكثر انسجاماً مع العالم وانفتاحاً عليه، بخلاف الحال عندما تجري أفكارهم بـ"لسان عربي مبين".

الغنوشي كان مثيراً لاهتمام المشاركين، فهو يمثل الحركة الإسلامية الأكثر تنوراً وتنويراً من بين مثيلاتها في العالم العربي، وبلاده كانت "أول الثورة" و"أول دولة" في سياق ما بات يعرف بالربيع العربي، وقد كانت واضحة، تلك الحفاوة التي استقبلت بها تونس من قبل المؤتمرين، على الرغم من المصاعب والمتاعب التي تجبه تجربة الديمقراطية الناشئة في "الخضراء".
 
بخلاف تونس، لم تحظ أية دولة من دول الإقليم، بالحفاوة والترحيب، حين يتعلق الأمر بالمسار الديمقراطي التعددي واحترام منظومة حقوق الانسان، وصون حقوق المواطنين وواجباتهم ... وثمة العديد من الدول العربية التي لم يؤت على ذكرها إطلاقاً، في حين أدرج بعضها في سياق نقد النماذج الدالة على فداحة الديكتاتورية والشمولية.

تركيا وإيران، حظيتا بالنقد أكثر من غيرهما ... الأولى، استحضرت كشاهد على انتكاسة المسار الديمقراطي، بعد أن كانت "معقد الآمال" لاجتراح تجربة المزاوجة بين "الإسلام والديمقراطية" و"الإسلام والعلمانية"، حتى أن هذه الحركة العالمية ذاتها، سبق وأن عقدت مؤتمراً لها في تركيا (2006)، اعترافاً بنجاحات التجربة وخصوصيتها ... تركيا استُحضرت بوصفها نموذجاً لنجاح "اليمين الشعوبي" في قيادة البلاد إلى نمط جديد من الديكتاتوريات، حيث ينجح الزعيم الكاريزمي في تجنيد قطاعات واسعة من شعبه،لصالح أجندة حزبية-شخصية، ليست ديمقراطية بحال من الأحوال، تساعده في ذلك، نجاحات اقتصاديةمن جهة، واستنهاض للشعور القومي – الديني من جهة ثانية.

أنباء المعارك الانتخابية في تركيا، كانت تترى على المؤتمر، إذ ساد شعور من التشاؤم، بأن أنقرة لا تسير في الاتجاه في الاتجاه الصحيح، وأن فرص التغيير تبدو متواضعة للغاية، سيما بعد فشل المعارضة في التوحد خلف مرشح رئاسي واحد، أو تقديم مرشح قادر على مواجهة الزعيم التركي رجب طيب أردوغان، ومقارعته.

إيران، بدت حالة ميؤوس ومفروغ منها ... لم يشغل أحدٌ نفسه بمسألة الصراع بين معتدلين - إصلاحيين وثوريين – محافظين، يبدو أن العالم ملّ من هذه الحكاية، اتفاقها النووي مع المجتمع الدولي، استأثر بالاهتمام الأكبر، سيما وأن قرار ترامب الانسحاب من هذا الاتفاق، صدر في فترة انعقاد جلسات المؤتمر ... القناعة الراسخة لدى المؤتمرين، أن إيران، غير الديمقراطية، تلعب دوراً في إعاقة بناء دول ومجتمعات ديمقراطية، في جوارها العربي والإقليمي، حيث تتمتع بنفوذ قوي، وتنجح في بناء قوى ومراكز نفوذ، خارج إطار الدولة، وبالضد منها في كثير من الأحيان.

التجربة المصرية استحضرت في سياق الدلالة على فشل تجربة الانتقال من الركود و"حكم الفرد" و"الحزب الواحد"، إلى ضفاف ديمقراطية – تعددية ... وعلى الرغم من العلاقة المتميزة التي تقيمها القاهرة مع حكومات دول غربية عديدة، إلا أن المشاركين الغربيين في المؤتمر، كانت لديهم صورة قاتمة عن الوضع في مصر، كما أن الحضور المصري في المؤتمر، كان ضعيفاً للغاية، إن لن نقل شبه معدوم، ولا يليق بكل حال، بحجم مصر ووزنها.

السعودية حضرت في مداولات مشاركين من دول عربية وإسلامية، ودول مبتلاة بالسلفية والوهابية المتغلغلة في ثنايا وتلافيف الجاليات العربية والمسلمة لديها ... في الحوارات حول "الإسلام السياسي" ومحاربة التطرف والغلو، والحرب على الإرهاب، كان مشاركون يشيرون في ورشات العمل، إلى مسؤولية دول خليجية، ومن بينها السعودية عن تفاقم هذه الظاهرة.

باستثناء انتقادات متفرقة للبحرين على خلفية ملف حقوق الانسان والموقف من المعارضة، تكاد معظم الدول العربية أن تكون غابت عن مداولات المؤتمر، بما فيها اليمن، الذي يشهد أسوأ كارثة إنسانية في تاريخ البشرية وفقاً لتقارير منظمات دولية، إما لأن هذه الدول لم تسجل حالات انتهاك فادحةلحقوق الانسان، أو لأنها لم تعد تثير اهتمام أحد، في ظل تآكل مكانتها على ساحتي الإقليم والعالم، أو ربما بفعل مرض "الكيل بمكيالين" و"المعايير المزدوجة" كما في الحالة اليمنية على ما أظن.