مقالات > > عن المغرب والجزائر والصحراء بينهما

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-05-04
كتب عريب الرنتاوي

في العام 1986، سيتصل بي مكتب الرفيق أبو علي مصطفى، يطلب إلي أحد مساعديه القدوم لمقابلة نائب الأمين العام في ساعة محددة من نهار ذلك اليوم ... في ذاك اللقاء، سيطلب إلي أبو علي الاستعداد للسفر إلى المغرب، لتمثيل الجبهة في المؤتمر التأسيسي (الأول) الذي ستعقده منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في الدار البيضاء، وليبلغني أن "أبو خليل" من الدائرة السياسية، سيكون من ضمن الوفد المكون من رفيقين اثنين فقط.
 
كانت زيارة المغرب بمثابة حلم بعيد المنال، فالدولة في "سنوات الرصاص" كما توصف في المغرب، كانت تطارد اليسارين فيما يشبه الحملات "المكارثية"، وقد زجّ بالمئات منهم في السجون في ظروف لا إنسانية، وتعرضوا للقمع والتشريد، وغادر عشرات منهم البلاد إلى المنافي الأوروبية، وقد لوحقوا هناك، وقضية اغتيال المناضل الوطني الاشتراكي المهدي بن بركة، ما زالت لغزاً لم يجر تفكيك كافة عناصره بعد.
 
وكنت أعرف الشيء القليل عن المغرب، فلم تكن ثورة الاتصالات والمعلومات قد انتشرت على النحو الذي نعرفه اليوم، لكنني كنت على صلة بـ"رفاق" من منظمة 23 مارس اليسارية – القومية، القريبة جداً من فكر الجبهة ويسار القوميين العرب وتفرعاته الفكرية والجغرافية ... وكان الرفاق المغاربة في تلك الأزمة، يعتمدون أدبيات الجبهة الشعبية، وبالذات مجلة "الهدف" الأسبوعية التي عملت مديراً لتحريرها لسنوات ست في دمشق، بوصفها مادة "تثقيفية"، ومرجعاً لتشكيل المواقف حيال التطورات العربية والدولية... وهي المنظمة التي ستتحول بعد دخول المغرب مرحلة "انفراج سياسي" إلى منظمة العمل، بقيادة الزعيم التاريخي وأحد قادة مرحلة التحرر الوطني، محمد بن سعيد، الذي أخبرني كل من قابلته في تلك الرحلة، أنه الوحيد من بين المغاربة، الذي لم يقبل يد الملك.
 
تلفتّ في الطائرة السورية المتجهة إلى المغرب بعد محطات توقف في كل من تونس والجزائر، كما لو كانت حافلة من حافلات النقل العمومي في دمشق، فلم أجد أحداً أعرفه سوى الرفيق "أبو خليل"، لم يظهر على بقية الركاب، أنهم من المدعوين أو "كبار الشخصيات"، الأمر الذي سيكون له تأثيراً حاسماً على تصرفاتي بعد وصولنا إلى مطار "كازابلانكا" ... إذ فوجئت ونحن نخرج من الطائرة بأن عدداً من قيادات المنظمة، يرافقهم موظفون من المراسم، في استقبالنا ... اعتقدت جازماً بأن هذا الاستقبال "الرسمي" قد أعد لنا، أبو خليل وأنا، فتصرفت على هذا النحو من دون تردد، صافحت المستقبلين بحماسة ظاهرة، وسارعت إلى الجلوس في صدر قاعة التشريفات في المطار، وأجبت على أسئلة "التلفزة الوطنية" بما يليق بشخصية كبيرة تزور البلاد لأول مرة.
 
وسأكتشف بعد لحظات قليلة من جلوسي في "صدارة المجلس"، أن هذه الاستقبال، ليس معداً لي شخصياً، وإنما لشخصية أخرى كانت على متن الطائرة ذاتها، وهو "عضو عربي في القيادة القومية" لحزب البعث، وهو ككل الأعضاء العرب في "القيادتين القوميتين" في سوريا والعراق، من غير مواطني البلدين المذكورين، ليسوا في واقع الحال سوى "خرزة زرقاء" ترد العين، وتأكيد نافل عن الحاجة، لوحدة فروع الحزب في الأقطار العربية، لم أكن أعرفه، ولم أعد أذكر اسمه، وقد ارتضى الرجل بالسير خلفنا، ظناً منه، ومن المضيفين والمراسم على ما يبدو، بأن مكانتي في العمل الوطني الفلسطيني، أعلى بكثير، من مكانته في حزب البعث، ومضت الحكاية على هذا النحو، وبدا الأمر طبيعياً من دون إحراجات.
صبيحة اليوم التالي، نقلنا المضيفون إلى سرادق ضخم، تجمعت تحته مئات الشخصيات الحزبية والمناضلين والضيوف من مختلف مكونات اليسار العربي، وكنت على مبعدة عشرات الأمتار استمع لهتاف يشق عنان السماء: "بن سعيد المناضل ... يا رفيق الجماهير" "للأمل للأمل... منظمة العمل"، بلكنة مغربية محببة، شعرت بالحماسة والإثارة، فأنا معتاد على مثل هذه التجمعات، وما يسبقها ويرافقها من استعدادات ... إلى أن دخلت السرادق من باب رحب يقابل المنصة الرئيسة، فإذا بعريف الحفل يقطع الهتاف، ويصيح بأعلى صوته: مرحباً بفلسطين ووفدها إلى مؤتمرنا، فإذا بالقاعة تهب هبة رجل واحد وقوفاً: "فلسطين عربية ... والصحرا مغربية"، وظل التصفيق والهتاف يرافقني إلى أن جلست في مقعدي في الصف الأمامي، وقد تعمدت السلام على أكبر عدد من المشاركين والضيوف، لإطالة أمد هذه الاحتفالية المنعشة ... عندها تيقن "العضو العربي في القيادة القومية"، بأن استقبال المطار كان معداً لي وليس له، حتى وإن كانت الحقيقة بخلاف ذلك.
 
ستسير وقائع المؤتمر كالمعتاد، ولعدة أيام، وسأختلس ساعات من وقته لإجراء اتصالات مع وكالات توزيع الصحف والمجلات، لإبرام اتفاق لتوزيع "الهدف" هناك، وسيكون لي ما أردت، أو فوق ما أردت، لقد طلبوا تزويدهم بأربعة آلاف نسخة من المجلة أسبوعياً، وهذه كمية كبيرة كانت تعادل 20 بالمائة من أجمالي ما نطبع أسبوعياً من المجلة ... في المغرب نخبة مثقفة واسعة، وهي نهمة للقراءة، وتعرف عن المشرق العربي، أكثر بكثير مما يعرف المشارقة عن المغرب العربي، وتلك كانت حقيقة صادمة، تعرفت عليها فور وصولي، ومن دون تأخير أو عناء.
 
وسيهمس أحد قادة المنظمة الشباب (في حينه) واسمه ينتهي بـ "أطلسي"، سيهمس في أذني مستمزجاً استعدادي للمشاركة في رحلة إلى الصحراء، هو يعرف أن للجبهة الشعبية موقفاً مغايراً من هذه المسألة، فهي تدعم البوليساريو (مثلما يتهم حزب الله هذه الأيام) وعلاقاتها وطيدة بالجزائر، وتدرج المغرب في عداد "الرجعيات العربية"، بوصفها ضلعاً ثالثاً في مثلث الأعداء بعد الإمبريالية والصهيونية ... لكنني والحق يقال، كنت ميالاً في داخلي للموقف المغربي من قضية الصحراء، وكنت قبلها في زيارات للجزائر، وتعرفت على محمد عبد العزيز، وأجريت معه حوارات للهدف، وزرت تندوف في الصحراء الجزائرية، لكنني لم أكن مقتنعاً بأن الأمر يستحق اقتطاع دولة جديدة في تلك المنطقة، وعلى حساب وحدة المغرب، ورأيت في الأمر "موقفاً سياسياً" مناكفاً للمغرب، لا يميز بين خلاف مع نظام أو استهداف للدولة، فاليسار العربي، ومن ضمنه الفلسطيني، كان مستعداً للتفريط بوحدة المغرب، نكاية بنظامها، أو استرضاء لنظام آخر، الجزائر، في الوقت الذي تخلى فيه هذا اليسار، عن ثورة أريتريا وحق شعبها في تقرير مصيره، لأن جنرالاً يسارياً معتوهاً، وصل للحكم في أثيوبيا، منغيستو هايلا مريام ... ومن يومها، بت على يقين بأن "ازدواجية المعايير" ليست صفة برجوازية - غربية فحسب، بل و"يسارية" كذلك.
 
من دون تردد، وافقت على المشاركة في الرحلة، وذهبنا في "سفاري" إلى سمارة والعيون، وقضينا عدة أيام في فندق ضخم في قلب الصحراء، شيّده الحسن الثاني زمن المسيرة الخضراء، وتجولنا في مناطق واسعة، رفقة عدد من المثقفين واليسارين العرب، ولم أتردد في الاستجابة لطلبات إذاعات و"تلفزات" وطنية ومحلية، للإدلاء بتصريحات، ولم أتوان عن التعبير عن مواقفي الشخصية المؤيدة لمغربية الصحراء، فيما هتاف "فلسطين عربية والصحرا مغربية" ما زال يطن في آذاني، ولم أكن أعرف، أن كل كلمة وتصريح أدليت بهما، سيكونان مسجلين على الضفة الأخرى للحدود.
 
عدت من "رحلة العمر" إلى المغرب والصحراء، سالماً غانماً، مزوداً بدرع نحاسي شديد الالتماع، حسبه موظف الجمرك في مطار دمشقذهباً، فقلت له محاولاً إطفاء شغفه للسطو عليه، أنه مطلي بالذهب فقط، وأنه من نحاس، فلم يقلل ذلك من رغبته في مصادرته، لكنني قاومت ومانعت، فيما هو ظل يلح علي طوال الوقت مردداً: "الهدايا لناس وناس"، فاعتذرت منه لأن منظمي المؤتمر، لم يحسبوا حسابه بدرع مماثل.
 
ما أن استأنفت العمل في مكتبي في المجلة صبيحة اليوم التالي لوصولي إلى دمشق، حتى بادر مكتب أبو علي مصطفى للاتصال بي ثانية، طالباً حضوري على عجل هذه المرة ... ذهبت إلى مكتبه الكائن في حي المزرعة الدمشقي، فإذا بإمارات الغضب ترتسم على وجهه رحمه الله، حيث بادرني بالسؤال: "شو اللي عملتو في المغرب"، قبل أن يسترسل بأن سفير الجزائر في دمشق زاره محتجاً على تصريحاتي لوسائل أعلام مغربية، وأن وفداً من البوليساريو حضر إليه للغاية ذاتها، وأنهما يريدان الاطمئنان إلى أن تغييراً لم يطرأ على مواقف الجبهة من قضية الصحراء ... أبو علي لم يقصر والحق يقال، فقد طمأنهما تماماً، وتوعد بالتحقيق والمحاسبة، وكان له ما أراد، وقد حصلت على عقوبة "تنبيه" لخروجي عن "الموقف المركزي"، وهي عقوبة مخففة بحسابات تلك الأزمنة.
 
تلك الرحلة، وعشرات بعدها إلى المغرب، أقنعتني بأن الصحراء قضية وطنية مغربية بامتياز، وأن المغاربة من مختلف أطيافهم، لا يجمعون على قضية مثلما يجمعون على هذه ... وأن هذه القضية ستظل جرحاً نازفاً في الجسدين المغربي والجزائري، يعطل طاقات 80 مليون مواطن في البلدين، ويستنزف مواردهما، ويحول دون إقامة نظام إقليمي للأمن والتعاون لدول المغرب العربي، وكنت شديد القناعة، بأن صيغة متطورة من التعاون المستندة إلى "عقلنة" علاقات حسن الجوار وتبادل المنافع، كفيلة بحل المشكلة في البيت المغاربي، وتوفير موارد، تبدو شعوب المنطقة، بما فيها أهل الصحراء، بأمس الحاجة إليها.
 
استذكر هذه الصفحة من أرشيف الذكريات، وأنا أتابع السجال المغربي الإيراني، ومن دون أن يكون لدي ما يكفي من المعطيات حول تورط "مزعوم" لطهران وحزب الله في عمليات تسليح وتدريب مقاتلين من البوليساريو، لأقول أن اللعب بهذه القضية هو بمثابة خنجر يغرز في جسد المغرب، ولأذكر بأن هذه القضية ستظل "خاصرة ضعيفة" لكل من البلدين العربيين الكبيرين والعزيزين: الجزائر والمغرب، وأن كثير من الأطراف، دولاً ومنظمات، لطالما حاولت اللعب بهذه الورقة أو التلويح بها، استفزازاً ونكاية لهذه الجهة، أو طمعاً وتقرباً من تلك ... وأن على قيادتي البلدين، أن تستلهما "الروح الكورية الجديدة"، فتسارعان من دون وسيط أو وساطة، إلى إغلاق هذا الملف، وسد هذه الثغرة، التي يجهد كثيرون للتسلل إليهما عبرها ... حمى الله المغرب والجزائر والصحراويين الذين استحالت قضيتهم إلى "قميص عثمان" العصر الحديث.