مقالات > > "لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية في الأردن"

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-04-27
كتب عريب الرنتاوي

لم تكن الديمقراطية ومفاهيم حقوق الانسان، قد تغلغلت عميقاً في لغتنا وخطابنا في نهاية سبعينات القرن الفائت وبداية ثمانيناته... كانت مفردات "حرب التحرير الشعبية" ولغة "صراع الطبقات" و"النماذج الملهمة لتجارب الكفاح المسلح"، هي الطاغية والمهيمنة على العقل واللسان... أما الحديث عن "الليبرالية" فكان مرذولاً، ويكاد يلامس ضفاف "الانحراف" و"الخيانة"، وما زلت أذكر تعميماً تثقيفياًداخلياً استهدف به الكادر الوسيط والقيادي في الجبهة الشعبية، ويحمل عنواناً نافراً: "ضد الليبرالية".
 
وحتى حين أكثرنا تنوراً وتنويراً، يستحضر مفهوم الديمقراطية بين حين وآخر، فقد كان يستتبعه بـ"الثورية"، فالديمقراطية البرجوازية ليست سوى وسيلة مخادعة لتأبيد سلطة رأس المال والقوى الإمبريالية، فما ديمقراطيتنا، نحن معشر الثوريين، لها مذاق آخر ... والحقيقة أنني كنت أعجب من جرأة البعض منا على التشدق بالخطاب الديمقراطي – الثوري، فيما كتابات لينين تعج بالانتقادات للديمقراطية بوصفها شكلاً من أشكال سلطة البرجوازية، تتاح من خلالها للعموم، الفرصة لاختيار من سيقمعهم ويستغلهم للسنوات الأربع أو الخمس القادمة.
 
ومع صعود الإسلام السياسي في تلك الفترة، صدمت بحجم "المشترك" في قراءة الديمقراطية بين المدرستين: اليسارية/اللينينية من جهة والإسلامية من جهة ثانية ... فالديمقراطية ليست مكوناً أصيلاً في خطاب التيارين، وثمة مفهوم "أداتي" لها، متجذراً في خطاباتهما، وهو مفهوم بتنا نختصره بالعبارة الشهيرة: “one man one vote one time”.
 
وفي طور لاحق، وتمييزاً لمعشر اليسار عن "القيادية اليمينية المتنفذة" في منظمة التحرير، ولتفادي الحذر الشعبي المتصاعد بصعود الإسلام السياسي، من اليسار والماركسية والشيوعية، لجأ اليساريون الفلسطينيون (والعرب) إلى وصف أنفسهم بـ"القوى الديمقراطية"، ودونما حاجة من أي نوع، لشرح المفهوم أو توضيحه، ومن دون أن يقترن ذلك جدياً بدمقرطة الحياة الداخلية للحزب/الفصيل، ولطالما قضى أمناء عامون لهذه القوى نحبهم وهم على رأس منصبهم كأمناء عامين لها، بعضهم قضى نصف قرن في موقعه، وبعضهم الآخر، لم يتردد في وضع راية الحزب بين يدي زوجته أو ابنه بعد وفاته، كما في التجربة البكداشية للحزب الشيوعي السوري.
 
مبكراً، وربما قبلنا جميعاً، بدا أن ميشيل النمري قد اقترب كثيراً من مفاهيم الديمقراطية ومنظومة حقوق الانسان، ربما بتأثير تجربته الإيطالية، وقربه من الحزب الشيوعي الإيطالي الذي شهد سجالات فكرية طويلة وعريضة في الماركسية وحولها، إلى أن جاءنا ذات يوم، أمجد ناصر وأنا، من بين آخرين كثر على ما اعتقد، عارضاً تشكيل "لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية في الأردن"، تتولى الدفاع عن حقوق السجناء أساساً، وترصد الانتهاكات لمنظومة حقوق الانسان، التي لم نكن نعرف عنها الكثير، بل وكانت بعض فصائلنا، تمارس أنماطاً بشعة منها، بحق خصومها، وأحيانا ضد أعضائها ومناصريها.
 
استجبنا للدعوة من دون تردد، وبدأنا سلسلة من الاجتماعات التحضيرية في بيروت، أولها عقد في مقر الاتحاد العام لطلبة الأردن على مقربة من جامعة بيروت العربية و"جسر الكولا" ... وقد ضمت التشكيلة الأولى للجان، إلى جانب ميشيل وأمجد وأنا، كل من صالح القلاب وطاهر العدوان ومحمود النوايسة وهاني الحوراني ودليل القسوس، وسينضم إليها لاحقا، وفي تشكيلات متعاقبة، في المرحلة الدمشقية تحديداً، عدد آخر من الأصدقاء والزملاء، من بينهم الراحل ناجي علوش، والنائب الحالي منصور مراد سيف الدين وعبد الهادي النشاش، وموفق محادين، وسليمان صويص وآخرون.
 
تولى ميشيل إعداد الوثائق التأسيسية، وأخذ هاني الحوراني على مسؤوليته، تصميم شعار "لوغو" اللجان، لوضعه على الأوراق والمراسلات الرسمية ... وبدأنا بتتبع حال السجناء والمعتقلين السياسيين أساساً، وأخذنا بمخاطبة المنظمات الدولية لهذا الغرض.
 
استُقبلت اللجان باهتمام "معقول" من قبل وسائل الإعلام اللبنانية، فالخبرة كانت لما تزل متواضعة، وباهتمام "حذر" من قبل المنظمات الحقوقية الدولية ... فاللغة التي كان نصوغ بها بياناتنا لم تكن في الغالب لغة حقوقية، إذ كانت تنحو للخطاب الثوري المقاوم، غير المقبول، وغير المفهوم، من قبل الهيئات الدولية، وهذا ما كان يتسبب بنقاش حاد، وأحياناً بشجار بين النمري وعدد من أعضاء اللجان، ومن بينهم كاتب هذه السطور.
لكن المواظبة والاستمرار والحماس، الذي أبداه عدد من الأعضاء، ومن بينهم النمري والحوراني، ساهم في بناء شبكة علاقات واسعة لهذه اللجان الوليدة، وبدأت المنظمات الدولية، وأولها منظمة العفو الدولية في لندن، تستجيب لرسائلنا، أولاً بإرسال الاستفسارات والاستيضاحات عن الحالات المتضمنة في بياناتنا، ولاحقاً بإصدار البيانات والمخاطبات، باسم المنظمة الدولية المرموقة، بالاستناد إلى مرجعية اللجان وعبر قنوات التواصل المعروفة بيننا وبينهم.
 
توسع عمل اللجان، وبدأت أخبارها تتسرب إلى الأحزاب السياسية المحظورة في الأردن في تلك الأوقات، حتى أن سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين، أخذوا علماً بما كنا نقوم به من أجلهم، وبدأت الأخبار والتقارير تتوالي إلى "اللجان"، وغالباً من خلال أفرع الفصائل والأحزاب التي لم يكن لديها الكثير من الوسائل الضاغطة أو شبكة العلاقات الخارجية، للإفراج عنهم أو إعادة محاكمتهم وتحسين ظروف اعتقالهم.
 
شجعتنا النتائج الأولية على التفكير في تلك الفترة، على عقد مؤتمر صحفي للتعريف بالتجربة، وجرى نقاش حول مكان انعقاد المؤتمر، قبل أن يستقر الرأي، وبإجماع الأعضاء، على عقده أمام السفارة الأردنية في بيروت، وقد حرص جميع الأعضاء، على المشاركة (القلاب، العدوان، النمري، النوايسة، محجوب الروسان، هاني الحوراني وأمجد ناصر وكاتب هذه السطور، وغيرهم)، وقد تلا ميشيل البيان، وجرت ملاسنة "من الزنار وتحت" بين بعض المشاركين مع موظفين من السفارة، قبل أن ينفض الجمع بسلام، لتصبح "اللجان" بعدها، واحدة من المرجعيات والمصادر الموثوقة عن الأردن وأخباره، أقله، من وجهة نظر المعارضة.
 
أخذنا على عاتقنا مهمة اتقان مهارة الحديث بلغة حقوقية بليغة، بعيدة عن لغة الفصائل، وأصدقكم القول، بأننا في كثير من الأحيان، لم نكن سعداء بهذه اللغة "الركيكة"، التي تصف المناضلين بـ "سجناء الرأي والضمير" والنظام بـ"الحكومة"، والأجهزة الأمنية بأجهزة إنفاذ القانون ... كانت تجربة غريبة علينا، نحن الذين امتهنا لغة التغيير والإسقاط والثورة الشاملة و"العنف قاطرات تجر التاريخ" ... وكان الحال يبلغ حدود عدم الاحتمال، عندما ننهي بعض بياناتنا بمطالبة الحكومة والجهات المختصة، بإدخال الدواء إلى المعتقلين، وزيادة أوقات "الفورة"... كيف يمكن لهذه المطالب المتواضعة أن تنسجم مع أغانينا التي كنا نرددها ليل نهار: "يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلام" ... و"وزهّر النوار وعشش في الزنازين الحمام".
 
والحقيقة أنني لم اكتشف قوة هذه المفردات و"سحرها" شديد التأثير، إلا عندما قمت بجولة في أوروبا للترويج للجان وعرض بعض قضايا المعتقلين، شملت كل من اليونان وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، حيث أتيح لي أن التقي بنواب في برلمانات هذه الدول، وممثلين ومخرجين عالميين، وعلماء يحملون جائزة نوبل وأحزاب سياسية تتداول السلطة ... فوجئت بحجم التفاعل والتجاوب، وبأنهم يفهون ما أقول، وأن لهذه الكلمات وقعاً كبيراً، قادراً على حثهم على القيام بمبادرات، وعدم الاكتفاء بإبداء التعاطف بين جدران أربعة.
 
وأحسب أنه إلى جانب "البريق" الخاص والجاذب لمبادرة النمري، فقد كانت لدي أسباب خاصة دفعتني للاهتمام بهذه التجربة والانخراط بها، فقد جاءت المبادرة بعد فترة قصيرة جداً من اعتقال عدد كبير من أصدقائي المقربين في الجامعة وخارجها، في قضية حزب العمال الشيوعي الفلسطيني المعروفة، وهم ثلة من الشباب، لم يكن أكبرهم قد جاوز العشرين عاماً من عمره بكثير، وقد تعين عليهم قضاء عشر سنوات في السجون، بموجب قانون مكافحة الشيوعية، وأمام محكمة عسكرية.
 
لم تدم التجربة طويلاً، فبعد الخروج من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي، تفرق الجمع، وذهب الأعضاء كل في طريقه، وانشغل ميشيل النمري بإصدار "النشرة"، وانتخب ناجي علوش خلفاً له، وأشهد أنه كان رجلاً متفهماً، مثقفاً موسوعياً، واسع الصدر، قابل بالتعددية، قادر على ضبط إيقاع الخلافات، لكن "مرض الفصائلية" أصاب اللجان مثلما أصاب غيرها من أطر العمل المشترك، فلم تلبث طويلاً قبل أن تعصف بها الخلافات، وتصبح ورقة في أرشيف العمل الوطني الأردني المعارض، بكل ما له وعليه.