مقالات > > قطر والقرضاوي في ذاكرة سفير متقاعد

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-04-21
كتب عريب الرنتاوي

أثارت الحلقة الأخيرة من برنامج "رحلة في الذاكرة" الذي يقدمه الإعلامي المجتهد خالد الرشد على قناة "روسيا اليوم"، مع السفير الروسي السابق لدى الدوحة، فلاديمير تيتورينكو اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً، بالنظر للمعلومات الهامة التي كشفها الدبلوماسي المتقاعد، عن فترة هامة من "التاريخ الجاري" لهذه المنطقة، وتحديداً ما يتصل منها بدور قطر وقناة الجزيرة والشيخ القرضاوي ورؤى جماعة الإخوان المسلمين، وسنكتفي هنا بالوقوف عند مفاصل ثلاثة فقط، بانتظار اكتمال بقية حلقات "الرحلة" في قادمات الأيام:
 
الأول؛ ويتعلق بانتفاخ الدور القطري، وتضخم إحساس الدوحة بدورها الإقليمي – الدولي، في بواكير الربيع العربي، وربما قبلها، إلى الحد الذي أشعر رئيس حكومتها وزير خارجيتها آنذاك، بأنه قادرٌ على مخاطبةروسيا بلغة "الإملاءات"، ما حدا بالسفير المتقاعد لوصفه بـ"الغول"... تطلع الدوحةللقيام بدور أكبر من حجمها ووزنها، هو تطلع مشروع برأي السفير، وإن كان من المتعذر إسناده بقوة المال فقط، وفي ظني أن هذه الخلاصة، وإن كانت صحيحة بالنسبة لقطر، إلا أنها صحيحة كذلك حين يتعلق الأمر بأقطار عربية أخرى، تشاطر قطر بعض سماتها وأحلامها المجهضة.
 
المشهد انقلب اليوم، وقطر انتقلت من موقع الهجوم و"رأس الحربة"، إلى موقع الدفاع السلبي، بعد أن اشتد من حولها حصار "ذوي القربى"، بيد أنها لم تتخل بعد عن حلفائها (أدواتها)، وإن صارت أكثر حذراً في توظيفهم، ولا عن وسائل نفوذها وأدوات اقتدارها الثلاث: (المال، العديد والجزيرة).
الثاني؛ ويتصل برؤية جماعة الإخوان للديمقراطية والتحالفات، كما صاغها "الأب الروحي" للجماعة و"كبير العلماء" المسلمين، فالرجل مسكون بهاجس تمكين "المجتمعات المسلمة" لقلب أنظمة الحكم رأساً على عقب، وأن هذا سيحدث بأسرع مما يُظّن، إن توفر لها الدعم المالي والإسناد الإعلامي، وهو غير معني أبداًبالتمييز بين أنظمة صديقة وأخرى عدوة، فجميع هذه الأنظمة ستكُنس في لحظة ما، بما فيها النظام القطري الذي استقبله وآواه، وكان ولا يزال، الحليف العربي الوحيد، الحاضن والداعم للجماعة الإسلامية.
 
الجماعة لم تجر المراجعات العميقة المطلوبة بعد، برغم النكسات الكبرى التي أصابتها في الإقليم والعالم، وربما كان هذا سبباً في انقساماتها وتشققاتها، وفي انفضاض الكثير من الحلفاء والأصدقاء من حولها، أما الدرس المستفاد من تجربتها في الحكم، فيتجلى في حاجة دولنا ومجتمعاتنا الدائمة لبلورة "معادل موضوعي" وازن، لنفوذ الجماعة وتأثيرها.
 
والثالث؛ ويتعلق بحجم النفوذ الذي تمتع به الرجل وجماعته، في مؤسسة صنع القرار القطري، فهو تخطى دور "الأداة" إلى دور "الشريك" الذي لا يكتفي بالدعوة لتوفير المزيد الدعم المالي للمعارضات في مصر وليبيا وسوريا وغيرها، بل كان يصدر توجيهاته وإرشاداته لقناة الجزيرة، عبر الديوان الأميري، للإكثار من نشر الصور الدامية والأطفال القتلى والمجازر الجماعية، لتأليب الرأي العام على الأنظمة والحكومات، ولنا ولكم، أن نملأ الفراغات في رواية القرضاوي، وأن نسترجع بعضاًمن الصور والمشاهد الإعلامية، الحقيقية والمفبركة، على امتداد السنوات السبع الفائتة.
 
والمفارقة هنا، أن دور "كبير العلماء" في لعبة السياسة والإعلام القطريين، لم يزاحمه أحدٌ عليه، سوى "المفكر العربي"ـ، المرصود لتفتيح قنوات "الاحتواء الناعم" القطرية على الأوساط القومية واليسارية والعلمانية العربية، حيث لا "دالّة" لكبير العلماء فيها أو عليها، وكلاهما ارتبط بالدوحة بـ"علاقة عضوية"، فكان لهما إسهامهما النشط في تشكيل هذه السياسة وصوغ تلك التوجهات، وكلاهما، على اختلاف مرجعياتهما الظاهر، لعب دور "رأس حربة" في المشروع القطري، إن جاز لنا أن نصفه بالمشروع وأن ننسبه للدوحة، متجاهلين حقيقة أن هذا "المشروع"، لم يكن في واقع الحال، سوى "حلقة" في سلسلة ممتدة، تبدأ بواشنطن ولا تنتهي بتل أبيب، وهذا ما سبق أن اعترف به الشيخ حمد بن جاسم في مقابلاته المتتالية، وهذا ما يتكشف صراحة وضمناً في بوح السفير المتقاعد للزميل الرشد، على شاشة "روسيا اليوم".