مقالات > > ماذا بعد "الغوطة"...أين سيتجه الجيش السوري؟

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-03-25
كتب عريب الرنتاوي

من بين القوى الرئيسة الأربع التي أحكمت سيطرتها على "غوطة" دمشق، ثلاث منها، تدين بالولاء بهذا القدر أو ذاك لتركيا وقطر: جبهة النصرة (فرع القاعدة)، أحرار الشام (سلفية ملتبسة) وفيلق الرحمن (إخوان مسلمين) ... أما القوة الرابعة، التي تتمركز في مدينة دوما وجوارها تحديداً، وهي جيش الإسلام (سلفي)، فتحتفظ بروابط متينة مع المملكة السعودية ... وقد أفضت الأزمة الخليجية، إلى ضعف التنسيق والتعاون بين هذه الأطراف، بل وأدخلتها في اشتباكات مسلحة في بعض الأحيان، أودت بحياة المئات من عناصرها والمدنيين من سكان الغوطة في الأشهر التي سبقت العملية العسكرية السورية الأخيرة، وأضعفت قدرتها على المواجهة والصمود.
 
وإذ تزامنت عمليات الجيش السوري لاستعادة الغوطة، مع عملية "غصن الزيتون" التي أوصلت الجيش التركي وحلفائه من المعارضات الثلاث الأولى، إلى "ما بعد عفرين"، مع عمليات الجيش السوري في الغوطة الشرقية، فقد سرت تكهنات وتقديرات، بأن ثمة "تفاهمات" برعاية روسية، مكنت كل من الجيشين السوري والتركي، من تحقيق غاياتهما، بأقل قدر من الخسائر والصعوبات، ومن ضمن معادلة اشتهرت باسم "الغوطة مقابل عفرين".
 
رافقت عمليات الجيش السوري في الغوطة الشرقية، حملة إعلامية ودعائية، "غوبلزية" الطراز، ومن قبل جميع أطراف المناهض لدمشق وطهران وموسكو ... بيد أنها لم تترافق مع أي دعم أو إسناد جديين للمسلحين في بلدات الغوطة ومزارعها، إلى أن انتهى الأمر بالسيطرة على أكثر من 85 بالمائة من مساحتها، وخلال اليوم وغدا، ستصبح الغوطة الشرقية، خالية من "الإرهاب" والإرهابيين" وفقاً للإعلام الرسمي السوري والحليف، بعد وصول فيلق الرحمن وجبهة النصرة، إلى تفاهمات عبر الوسيط الروسي بإخلاء زملكا وعربين وجوبر، والتوجه إلى إدلب.
 
حتى التهديدات الأمريكية – الفرنسية – البريطانية، المبنية على تقارير "الخوذ البيضاء" واتهاماتها لدمشق وموسكو باستخدام غاز الكلور ضد المقاتلين والمدنيين في الغوطة، ظلت في نهاية المطاف، تهديدات دعائية جوفاء، لم نر تحركاً جدياً من قبل هذه العواصم، على الرغم من أن "الضربة الثلاثية" كانت متوقعة في أية لحظة، وبما يشبه الهجوم الأمريكي على مطار الشعيرات العام الفائت.
 
في المقابل، جوبه التدخل العسكري التركي في سياق "غضن الزيتون" بحملة انتقادات وإدانات واسعة النطاق من قبل سوريا وحلفائها في إيران وحزب الله وبعض الأطراف العراقية ... بيد أن دمشق، استنكفت عن إرسال قوات نظامية لدعم أكراد سوريا، واكتفت بإرسال وحدات من ميلشيات محسوبة عليها من "القوات الرديفة"، قليلة التدريب والتسليح، وقد تعرض لها الجيش التركي بعمليات جوية مؤلمة، من دون أن يدفع ذلك كله، إلى تغيير في قواعد اللعبة، أو شروط المعادلة.
 
رأينا تباكياً تركياً على الكارثة الإنسانية التي حلت بالغوطة، رافقته بكائيات من مصادر ووسائل إعلام متعددة، بعضها صديق لتركيا وبعضها الآخر معادٍ لها وللنظام في دمشق على حد سواء ... لكن أحداً لم يتوقف مطولاً أمام الكارثة الإنسانية بما اشتملت عليه من تقتيل وتهجير (250 ألف) وسلب ونهب لعفرين وقراها ... في المقابل، رأينا تباكياً سوريا و"حليفا"ً على عفرين، ولم نر مثله على المصائر الكارثية التي عاشها سكان الغوطة، من غادرها ومن بقي منهم ... لكن هذه قضية أخرى.
 
المهم أن آلاف المقاتلين المدججين بإيديولوجيا الكراهية والتطرف، غادروا الغوطة مع عائلاتهم، ومن دون سلاح سوى سلاحهم الفردي المفرغ من الرصاص... هؤلاء، لن يجدوا عنتاً في ملء أسلحتهم بالذخائر، والحصول على المتوسط والثقيل منها، ما أن يصلوا إلى إدلب، وبعد أن يحصل كل منهم على قسطه من "استراحة المحارب"، وسوف يُنقلون إلى الجبهات المفتوحة مع وحدات الحماية الكردية التي تعهدت أنقرة، بملاحقتها إلى منبج وعين العرب، وربما إلى شرق الفرات وداخل الحدود العراقية كذلك ... هؤلاء سيستقبلون على "كفوف الراحة" في تركيا، سيما وأن مرجعياتهم وقيادتهم، منخرطة من الرأس حتى أخمص القدمين، في العمليات العسكرية التركية في الشمال الغربي، وبصورة تذكر بما فعله "أخوة لهم في الجهاد"، عندما أخلوا العديد من المحاور والجبهات في حلب الشرقية وأريافها، عندما ناداهم المنادي من أنقرة للالتحاق بصفوف "درع الفرات"... يومها أيضا، جرى الحديث عن "صفقة" برعاية روسية، لكأن التاريخ مُصمِمٌ على أن يعيد نفسه في سوريا، ولكن على صورة مأساة دائماً، فلا هزل في الحرب والقتال، سيما حين تكون فاتورته الإنسانية، مؤلمة للغاية.
 
اليوم، ننتظر ما الذي سيحصل في دوما وجوارها، آخر معاقل المسلحين في هذه المنطقة، وكيف سيتصرف جيش الإسلام، الذي يتخذ من هذه المنطقة وسكانها، ملاذا له ودرعاً لقيادته، حيث دوما وجوارها، هي مركز الثقل الأساسي لهذا التنظيم في سوريا، بخلاف ما هو عليه حال أحرار الشام وفيلق الرحمن والنصرة، الذين سيجدون ملاذات آمنة ومراكز ثقل وقيادة في إدلب ومناطق سيطرة الجيش التركي.
 
المعلومات تتحدث عن "صفقة" قد يبرمها الجيش السوري مع هؤلاء المسلحين، تقوم على تسوية أوضاع معظمهم والإبقاء عليهم من ضمن سيطرة الدولة وتحت إشراف مؤسساتها الأمنية والعسكرية ... وربما نشهد على خروج قيادات وكوادر متورطة منهم في الدم، وبعمليات التصفية والاغتيالات... وربما نشهد انتفاضة شعبية ضد "جيش الإسلام" كما حصل في حرستا وعين ترما وبعض مدن الغوطة وبلداتها، بعد أن سئم المواطنون من فلتان السلاح والمسلحين، واختاروا البقاء في منازلهم على الهجرة زرافات ووحدانا إلى مراكز الإيواء بشروطها الصعبة المعروفة.
 
في كل الأحوال، دوما المحاصرة من جهاتها الأربع، لم تعد تصلح ملاذاً أو قلعة لا لجيش الإسلام ولا لغيره من المسلحين، وفي ظني أنها مسألة وقت، قبل أن يبسط الجيش سيطرته الكاملة عليها، ليبقى السؤال حائراً في الأذهان: أين سيتجه الجيش بعد الغوطة؟ ... إلى إدلب؟ ... إلى القدم واليرموك جنوب العاصمة حيث داعش والنصرة وما بينهما ولف لفهما؟ ... إلى الريف الشرقي لدرعا، سيما بعد عمليات التحشيد والتسخين في آخر مناطق خفض التصعيد التي ما زالت هادئة نسبياً؟ ... يصعب التكهن بهذه الوجهة، فالمسألة فيها من السياسة أكثر مما تستطبن من علوم الحرب وموازين القوى وحساباتها.