مقالات > > هل يكفي ألا تختتم حياتك بـ “خيانة"؟

مقالات - أخرى- التاريخ: 2018-03-08
كتب عريب الرنتاوي

قطع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشك باليقين، مرتين في غضون عدة أسابيع فقط، الأولى في كلمته الافتتاحية لدورة الانعقاد الثامن والعشرين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير... والثانية، في الاجتماع "المغلق" للمجلس الثوري لحركة فتح ... في المرتين، بدأ الرئيس حديثه بالقول: بأن الفرصة قد لا تتاح للقاء المشاركين مرة ثانية، فيما يشبه "خطبة الوداع"، وفي المرتين، أوضح الرئيس بشكل لا يقبل اللبس والتأويل، بأنه لن يتسق ولن يتساوق مع خطة ترامب و"صفقة القرن".
 
لن يختم الرئيس حياته بـ “خيانة"، الكلام له حرفياً، وليس لي ... ولم يبق من العمر أكثر مما مضى، والأعمار بيد الله ... وهي عبارات تترجم بصورة أقل "درامية"، عبارة الرئيس الراحل ياسر عرفات: "يريدونني أسيراً أو طريداً، أقول لهم: شهيداً، شهيداً، شهيداً"... لا خوف ولا قلق من تفريط القيادة بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية المشروعة ... لكن ذلك، لا يعني للحظة واحدة، انتفاء المصادر الأخرى للقلق التي تنتابنا وتسكن غيرنا، بالذات من أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل والمحاصر والشتات.
 
يعرف الرئيس والقيادة الفلسطينية "ما لا يريدونه"، ومن باب الإنصاف فهم يعرفون أيضاً "ما يريدونه" ... يريدون دولتهم السيدة وقدسهم الشريف، ويتطلعون لعودة اللاجئين من أبناء شعبهم بعد سبعين عاماً من المنافي والمغتربات واللجوء ... وكل ما ينتقص من هذه الحقوق المسيّحة بمئات القرارات الأممية والدولية والحقوقية، "لا يريدونه"، بل ويعتبرونه تعدياً عليهم وانتهاكاً لحقوقهم ... لكن مشكلة القيادة الفلسطينية، وهذا مصدر قلق أول، أنها لم تعرف بعد "كيف ستصل إلى هذه الحقوق"، وكيف تتجه بثبات صوب "ما تريد"، وإن هي عرفت، فإن مصدر القلق الثاني يتأتى من سؤال "الإرادة"، فهل تمتلك الإرادة لتغيير قواعد اللعبة، وما يستتبعه ذلك من تغير في الأولويات وأدوات الكفاح والتحالفات وغيرها؟
هنا جوهر الأزمة التي تعتصر القضية الفلسطينية، وتجعل خيارات الفلسطينيين صعبة للغاية، وتضيف مناخات يائسة ومحبطة على خطابات الرئيس الأخيرة، بل وتملي عليه بعد المواقف والتصريحات الخارجة عن المألوف أحياناً من نوع "يخرب بيتك يا ترامب".
 
ليس ذنب القيادة الفلسطينية أن عرباً كثرٌ، باتوا ينظرون إلى إسرائيل بوصفها "دولة طبيعية"، ويتهافتون للتطبيع معها، بل ويشركونها في قضايا حفظ الأمن والاستقرار الداخليين في بلدانهم، تحت مسمى قبيح: "محاربة الإرهاب" ... وليس ذنب القيادة الفلسطينية أن بعض العرب، لم يعد يعتبر إسرائيل "مصدر كل الشرور في المنطقة"، بل ولا يدرجها حتى كضلع ثالث في "مثلث الشر" الإقليمي، غير متساوي الأضلاع، والذي يفضلون وضع إيران عل ضلعه الأطول، تليها تركيا – العثمانية على ضلعه الثاني، ثم الإخوان المسلمين وداعش والنصرة في الضلع الأقصر ... إسرائيل لم تخرج من "محور الشر" أو من قائمة مهددات الأمن الوطني والقومي لأوطانهم وللعالم العربي فحسب، بل باتت مشروع حليف استراتيجي، تتخطى العلاقة معه الحرب على الإرهاب إلى مواجهة إيران، وتتجاوز البعد الأمني – الاستراتيجي، إلى البعد الاقتصادي - التجاري – التنموي لعوالم "ما بعد الهيدروكربون" في المنطقة والعالم.
 
وليس ذنب القيادة الفلسطينية أن المنطقة باتت منقسمة إلى محاور ثلاثة، ليس من بينها محور واحد، يمكنها الركون إليه، أو الاطمئنان إلى أن كلفة التحالف معه والاصطفاف خلفه، قد لا تكون أكثر كلفة من الابتعاد عنه والإبقاء على مسافة واضحة منه ... فلا "الاعتدال العربي" بات معنياً بمواجهة مع إسرائيل وهو المنخرط معها مباشرة أو عبر البوابة الأمريكية، في علاقات تعاون وحسن وجوار وتطبيع في ملفات استراتيجية كالأمن والطاقة والمياه والاستثمارات العملاقة المنتظرة في قادمات المشاريع على ضفاف البحر الأحمر وخلجانه... ولا إيران يمكنها أن تكون هذا الحليف، وهي التي اعتادت أن تأخذ الدول والمجتمعات العربية بـ "المفرق" وليس بـ "الجملة"، في مسعى منها لخلق بنية تحتية مستدامة لنفوذها الإقليمي، إن عبر الطوائف والمذاهب والمليشيات أو عبر الفصائل والأحزاب ... ولا تركيا ومحورها القطري الإخواني، يمكن أن يكون قاعدة ارتكاز إقليمية يمكن الاستناد إليها، سيما مع استمرار سياسة أنقرة في الرقص على الحبلين الروسي – الإيراني من جهة والأمريكي – الأطلسي من جهة ثانية، وسعي قطر المتهافت لكسب رضا واشنطن مهما كلف الثمن، حتى وإن تأتى ذلك عبر البوابة الإسرائيلية، بوصفه ضمانة للصمود في مواجهة "الرباعي العربي"، الذي عرفنا مؤخراً، بأن حصاره لقطر هو من فصيل الحصار الأمريكي لكوباً، الممتد منذ خليج الخنازير وإلى يومنا الحاضر.
 
ليست هناك خيارات سهلة أمام الفلسطينيين، الأمر الذي يجعل مهمة القيادة الفلسطينية صعبة للغاية، أياً كانت هذه القيادة، فكيف هو الحال ونحن أمام قيادة وضعت كل رهاناتها وطوال ثلاثة عقود، على نهج انتهى إلى طريق مسدود، وقد اصطدم رأسها بجدار مسدود بعد أن بلغت من الكبر عتياً، وعندما أخذت تبحث عن وسائل وأدوات كفاحية، صح فيها القول: "في الصيف ضيّعت اللبن"، فلا الشعب موحداً، ولا السلطة في أحسن أحوالها، ولا فتح على عهدها كطليعة قيادية للشعب الفلسطيني، ولا المنظمة لها حضور خارج مقرها الهامشي في رام الله، ولا المنظمات الشعبية، التي كانت ذات يوم، خزان الثورة ورافدها الأساسي بالمناضلين والمناضلات.
 
نتطلع أن يتوج الرئيس عباس، موقفه الوطني الصلب حيال مبادرة ترامب وموضع القدس والوساطة الأمريكية، بتقديم جردة حساب للشعب الفلسطيني عن الحقبة الممتدة من أوسلو وحتى يومنا هذا، وأن يجيب على الأسئلة الأكثر إلحاحاً على عقولنا وضمائرنا: أين أخطأت القيادة الفلسطينية وأين أصابت، ما الذي أنجزته وما الذي قصرت فيه، المكاسب والخسارات، لكي تكتمل "خطبة الوداع" وتتحول من وسيلة للتنفيس عن الرفض والغضب إلى "دليل عمل" للقيادة الفلسطينية القادمة.
 
ونتطلع أيضاً، إلى جهد استثنائي، يبذله الرئيس شخصياً في الأشهر القادمة، لبلورة قيادة فلسطينية شابة وفاعلة، ممن عرفوابنظافة السريرة واليد واللسان، وصدق الالتزام والغيرة الوطنية، وأن يؤمن انتقالاً سلساً للسلطة، فليس في العمر أكثر مما مضى، وليس مهماً ألا ينهي الرئيس حياته بـ "خيانة"، فالأهم أن يتوجها بخريطة طريق للمرحلة الاستراتيجية المقبلة في نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلاله، وبفريق عمل قيادي، قادر على النهوض بأعباء تلك المرحلة، متخطياً نظرية "إعادة التدوير" في انتاج الطبقة السياسية الفلسطينية، والقائمة على قاعدة "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام"، فقد آن الأوان لكل من قاد المرحلة الفائتة وتحمل أعباء انسداد آفاقها، أن يترجل، وأن تتصعد نخبة جديدة من القيادات الشابة، المؤمنة بأن مشوار الشعب الفلسطيني مع الحرية والاستقلال، ما زال مديداً ومريراً.