مقالات > > في الطريق إلى "النويعمة"

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2018-02-02
كتب عريب الرنتاوي

لكأنها قصص وحكايات تخرج من بطون الكتب والسير القديمة، وليس من أرشيف الذاكرة، لا لفرط قدمها في الزمان، بل لأننا زماننا بات عاصفاً، لا يُبقي شيئاً على حاله وأذكر أنني قرأت ذات يوم، أن البشرية منذ فجر تاريخها المكتوب، كانت تحتاج لألف عام حتى تضاعف معارفها، أما في أزمنتنا الحديثة، فهي لا تحتاج لأكثر من عشرة أو خمسة عشر عاما لفعل ذلك، وربما تتقلص هذه المدة على نحو دراماتيكي في العقود والقرون المقبلة.
ما علينا.

دعونا نعود لحكاية "النويعمة"، وهي لمن لا يعرف مخيم للاجئين الفلسطينيين من بين ثلاثة مخيمات متراصة "تقريباً" قرب مدينة أريحا، سكنته عماتي الثلاث بعد نكبة 1948 ... كانت الزيارة للنويعمة، تعادل في أهميتها بالنسبة لنا كأطفال لم يكملوا العقد الأول من حياتهم، الأعياد الكبرى، الفطر أو الأضحى ... فهي تحدث مرة واحدة في العام، ونؤديها مجتمعين من دون استثناء، وتبدأ الاستعدادات لإتمامها قبل الموعد بأسبوع على أقل تقدير.

أبي رحمه الله، وأمي أطال الله في عمرها، كانا يحرصان على أن نكون في أحسن حال وحلة ... الثياب جديدة أحياناً، وإن تعذر ذلك، فلا بأس من غسل وكي ثياب آخر عيد مر علينا قبل الزيارة ... كان لا بد من إحضار الفواكه، فهي الهدية المعتمدة في تلك الأزمنة عند زيارة المرضى والأقارب، سيما الذين لا نتردد عليهم كثيراً، وكان يتعين علينا أن نحضر من كل صنف ثلاثة أكياس، تحتوي الكمية ذاتها، فزيارة العمات، تستوجب العدل والقسطاطس بينهن، حتى لا تشعر إحداهن بأنها أقل أهمية عند، أبي، أخيها الأكبر.

كان النوم يفارق عيوننا ليلة السفر، تأخذنا حكايات الزيارات السابقة، وتوقعاتنا للزيارة الوشيكة، ساعات وساعات، لم نكن نأبه لطلب أبي أو صراخ أمي، بأن نأوي للنوم استعداداً ليوم شاق وطويل ... الحماسة والإثارة، تطرد النعاس عن الجفون، وقبل أن تلوح خيوط الفجر في السماء، يكون معظمنا، إن لم نقل جميعنا على أهبة الاستعداد، وفي كامل الجاهزية ... أبي يرتدي حطته البيضاء "البوال" ويثبتها بعناية فوق رأسه مستعيناً بالعقال المخصص لـ"الطلعات"، وأمي ترتدي "الترواق"، وهو جاكيت طويل يغطي حتى الركبة أو أسفلها قليلاً، والمنديل الأسود الشفاف، وتحرص على تثبيت "كلساتاها" بدوائر من "المغيط" الذي يحبس الدم، فلم تكن "الكولونات" قد اكتشفت في تلك الأزمنة الغابرة.

نخرج محملين، كل حسب استطاعته، فيما أقرب الجيران يصطفون لوداعنا على أمل اللقاء بنا سالمين غانمين، ونسير صوب موقف الباصات على مقربة من نادي الوحدات... كانت التقاليد تقتضي أن يتقدم أبي الركب، نتبعه نحن الصبية من الأبناء الذكور، أما أمي وأخواتي المتحلقات حولها، فكن يمشين في نهاية الدرب، وعندما كان أبي يريد أن يستحث الخطى أو يسأل عن شيء ربما نكون قد تركناه وراءنا، كان يرسل بي إلى أمي، لأحمل له الجواب أو أبلغها المراد ... لطالما شعرت بأنني أقطع ضعف المسافة إلى موقف الباصات وأنا أعدو جيئة وذهاباً بين أبي وأمي.

 من بين جميع "المحمولات" الموزعة علينا، كانت أمي تحتفظ بحقيبة كبيرة مصنوعة من مادة جلدية رخيصة الثمن، سرعان ما حلت محل السلال المصنوعة من القش أو القصب، لأنها تطوى وتأخذ حيزاً صغيراً حين تكون فارغة، بخلاف الأخيرة، التي تحتفظ بحجمها الكبير في كل الظروف، ويصعب ركنها بين أقدام الجالسين على مقاعد الباص ... حقيبة أمي كانت تحتوي على "زوادة" الطريق، فالمسافة إلى "النويعمة" بعيدة جداً، والأطفال سيتضورون جوعاً، وقد يتسببون بفضيحة إن لم يجدوا ما يسد جوعهم ... و"الزوادة" تلك كانت عبارة عن كميات من الخبز الذي أعدته أمي في اليوم السابق، وحبات كثيرة من البطاطا والبيض المسلوق، وكميات وافرة من البندورة والخيار، ولا بأس بقليل من الزيتون والمخلل، إن اقتضت الضرورة وتوفرت الأنية لحفظه ونقله.

ما أن نمتطي الباص من الوحدات إلى العبدلي، حتى تكون حقيبة "الزوادة" قد فرغت من محتوياتها، إذ مهما حرصت أمي على توفير كميات وافرة من الطعام، كانت المناسبة وما يرافقها من حماسة وشهية مفتوحة، كفيلة بالقضاء عليها قضاءً مبرماً ... لم نكن نصغي لأصوات الاحتجاج الخفيضة التي كانت تصدر عن أمي، خشية أن "نفضح" بين الناس والركاب، تطالبنا بالإبقاء على بعض الطعام، فالرحلة ما زالت في بدايتها، والطريق إلى "النويعمة" ما زال طويلاً، ولن نجد حين نجوع مجدداً، ما نأكله ... كانت كلمات أبي تدخل السكينة على أمي، وتزيد في نهمنا للطعام: "معلش، بعد شوي بنشتري كعك وبيض وجبنه من البائعين الجائلين بين الباصات في العبدلي".

كانت الباصات تصطف طوابير، مكتوب على كل منها، وبخط كبير، أسماء المدن التي سيتوجه إليها أو يمر بها، وفي ختام قائمة المدن، كانت ترد كلمة "وبالعكس" ... هذه الكلمة تتكرر على كل الباصات، ولطالما تساءلت كيف يمكن لكل هذه الباصات أن تذهب إلى "بلعكس"، وما الخاص بهذه المدينة حتى تصبح قبلة لكل الزائرين، إلى أن أفهمني والدي المقصود بها، وأذكر أنني كنت أتحدى إخوتي الصغار أن يقرأ اسم الشركة صاحبة معظم هذه الباصات، فكانوا يتلعثمون ويتأتئون قبل أن ينطقوا بعبارة: باصات الشخشير.

يحتاج الباص إلى كثير من الوقت لملء مقاعده بالزبائن، كانت كافية لقراءة كل ما كتب على جدرانه الداخلية من عبارات من نحو: "أكل البزر للسعادين"، "ممنوع البصق والتدخين"، "ممنوع إخراج الرأس والأيدي من الشبابي"، "ممنوع التكلم مع السائق"، فضلاً عن الكثير من الأدعية والمعوذات، درءاً للحسد وطلباً للنجاة والرزق الوفير ...كان للباص حرمته وهيبته مع كل هذه الممنوعات، لكن المدخنين وحدهم، ما كانوا يأبهون لهذه "الفرامانات"، ومن ضمنهم أبي، فما أن تتحرك عجلات الباص، حتى يبدؤون بلف السجائر وإشعالها.

كانت للباصات مقدمات طويلة، يحتلها "الماتور" الذي غالباً ما ترتفع حرارته وتنبعث الأبخرة من كل مكان فيه ... يهرع "الكونترول" لفتح غطاء الماتور المكون من قطعتين، واحدة تفتح لليمين والثانية للشمال، ويبدأ بدلق الماء البارد عليه، لضمان عدم انفجاره كما كان يقال لنا ... وكان للباص "ذارعين" مشدودين بحبل طرفه الأخر عن السائق، كانا يقومان مقام "الغمازات" هذه الأيام، فإن أراد الانعطاف يساراً شد حبل الذراع اليسرى، لتقفز اليد من مكانها، على نحو مرئي ومسموع أحياناً ... أما "هدير البوسطة" فكان كافياً لدفع صغار السن والشيوخ من الركاب، للذهاب في سبات عميق، قبل أن يتحول هذا الهدير إلى أغنية فيروزية، بزمن طويل.

ثمة مقطعان في الطريق إلى النويعمة، كانا يثيران الرعب والقشعريرة في نفوس الركاب ... نزول وادي شعيب الضيق، وجسر الملك حسين الخشبي ... طيلة "النزول"، كانت ألسنة الركاب تلهج بالدعاء إلى الله أن يحفظ الباص ومن فيه، فهناك عشرات القصص عن باصات "تدهورت" إلى بطن الوادي بعد أن أخفقت مكابحها في حفظها على الطريق القويم، وهناك قصص عن عائلات لم ينج منها إلا طفل أو رضيع، لإعطاء الحكاية طابعاً درامياً أشد تأثيراً، ولم تكن أساريرنا لتنفرج إلا بعد أن يطل علينا الغور بهبوبه اللافح وأرضه المنبسطة.
"قرقعة" الخشب" ونحن نعبر الجسر الخشبي، كانت تتسبب بـ "قرقعة" عظام عند كثير من الركاب، لكن منظر مياه نهر الأردن، وهي تتدفق تحت الجسر، كان يحبس أنفاسنا نحن الصغار الذين لم ير أكبرنا سناً كمية منا الماء، تتعدى ما في "حاووز" البيت: ثلاثة أمتار مكعبة.

"النويعمة" مخيم مبني بطوب خاص، مصنوع من الطين والقش، كان زوج عمتي الصغرى رحمهما الله، يمتلك معملاً لصنعه، وكنت أحب مراقبته، وهو "يجبل" الطين، ويصبه في قوالب، ثمة "يكبسه، ويجففه ليصبح صالحاً للبناء ... وكان "العمّال" الزاخر بالمياه الصافية والباردة، يشق طريقه بين بيارات أريحا وعلى طرف المخيم، كنا نلهو هناك طوال الوقت، ونستحم بهذه المياه للتخلص من حر الغور ورطوبته، كانت المياه تأتي من "دير قرنطل" المجاور، لتمر بهذه القناة، متعددة الفتحات، كل واحدة منها تكفي لسقاية بيارة أو مزرعة، تفتح وتغلق في أوقات محددة.

وكانت الأونروا قد وزعت "حنفيات المياه" بعناية، بين أحياء المخيم وحاراته الضيقة، كنا نسترق الوقت القليل، حين تغيب النسوة المحملات بالجرار والتنكات، لنلعب بهذه الحنفيات التي لا تدار يمنة ويسرة لتفرج عمّا في جوفها، بل تضغط بقوة من الأعلى إلى الأسفل، ربما أن المهندس الذي صممها، كان يعرف أن ثمة صبية عابثون سيأتون إليها ذات يوم، لتبديد الماء القليل الذي يخرج من أحشائها.

ما أن نقوم بواجب السلام على الأهل والعمات والأقارب، حتى ننتشر بين البيارات ونغتسل في "العمّال" إلى أن يحين موعد أول وجبة لنا في "النويعمة"، وكما نعرف مسبقاً ما هي مكوناتها، فقد كانت عمتي أم السعيد، رحمها الله، تحرص على ذبح عدد كبير من الأرانب، تتبلها بشتى أنواع البهارات والسماك وزيت الزيت وكميات البصل المفروم، وتغطي "الطابون" فوقها لساعة أو ساعتين، قبل أن تفتح عن "طشت العجين" الممتلئ بها فتفوح منه رائحة زكية، يمكن أن تسيل لعاب المارة على مبعدة عشرات الأمتار من منزلها ... نأكل حتى التخمة، ويهدنا تعب الرحلة، فنذهب في قيلولة نهارات الغور الحارة، قبل أن نصحو على وقع نقاشات وحوارات ساخنة، في "برندة" المنزل، عن الشعر والأدب، المتنبي وأبي العلاء، البعثيين والشيوعيين، عبد الناصر والاتحاد السوفياتي، وكان الوالد رحمه الله، نجم تلك الجلسات والحلقات، التي طالما انخرط فيها شبان ومثقفون تنوعت مشاربهم، واختلفت مآلاتهم.

عدت إلى النويعمة في سن الخامسة والأربعين، وبسيارتي الخاصة، في الطريق مررت بقصر هشام الذي ما زال على حاله، وكان "الكازينو" في طور الانشاء، وكان مقر الأمن الوقائي يحتل مساحة رحبة في المدينة، قبل أن ينتقل إلى بيتونيا، أما المخيم، فقد تحولت بيوته المهجورة، إلى زرائب للأغنام والماشية، ولا حنفيات في المخيم ولا مياه، ولم استطع العثور على "العمّال" حتى أنني ظننته من انتاج مخيلة الطفولة، لم تكن رحلتي الأخيرة تتطلب كل تلك التحضيرات، ولم تكن مثاراً لكل تلك السعادة، عدت منقبضاً مهموماً، فقد راح المخيم، وراح ساكنوه الذين كنت أعرفهم، بعضهم ومن بينهم عماتي، خاضوا تجربة الشتات من جديد، وحملوا لقب اللاجئ – النازح بعد نكسة 67، لكن عزائي الوحيد، أنهم باتوا أضعافاً مضاعفة من حيث العدد، أما من حيث الخبرة والعلم والنجاح في الحياة، فحدث ولا حرج.