مقالات > > "الأردن بين أزمتين"...رب ضارة نافعة

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2018-01-12
كتب عريب الرنتاوي

يستقبل الأردن عامه الجديد، وسط حالة من "انعدام اليقين" تخيم على علاقاته مع أبرز حليفتين له على الساحتين الإقليمية والدولية: الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ... هي ليست المرة الأولى في تاريخه، ولكنها من المرات النادرة جداً والمعدودة   التي يجد فيها الأردن نفسه في وضع كهذا.

في المرة الأولى، احتاج الأردن لسنوات أربع تقريباً لترميم ما تهدم من جدران الثقة في العلاقة مع الحلفاء، وإعادة بناء وترميم الجسور التي مرت من فوقها العمالة والتجارة والمساعدات إلى الأردن، لكن الأردن تمكن من الصمود والثبات، واجتياز "قطوع" هام وخطير في حياته لأسباب ثلاثة جوهرية: أولها: وحدة الشعب والقيادة في الموقف من الحرب... وثانيها؛ عودة الأردنيين بحصاد أعمارهم من دول الاغتراب التي مكنت الاقتصاد الوطني من تحقيق نسب نمو غير مسبوقة راوحت ما بين 7 – 9 بالمائة، برغم ظروف التضييق والحصار ، أما السبب الثالث، فتمثل في استئناف الحياة البرلمانية والحزبية، وانتخاب برلمان 1989 الذي وفر "مصدّا" صلباً قوياً حمى النظام والاستقرار، ومكن من استيعاب التداعيات الخطرة لتلك المرحلة.

اليوم، يبدو الوضع مشابهاً ومختلفاً في الآن ذاته... الخبر الجيد، أن علاقتنا مع الحليفتين المذكورتين، لم تترد إلى الدرك الذي بلغته قبل قرابة الربع قرن، إذ ما زال في الأفق، بعض رهانات على تفادي السيناريو الأسوأ ... أما الخبر السيء، فيتعلق فيأتي من مصدرين اثنين: الأول؛ أن الضائقة الاقتصادية الطاحنة تعتصر الأردنيين والأردنيين، بخلاف الحقبة السابقة، والأهم، أنه لا يوجد في الأفق المنظور بوادر انفراج وشيك ... والثاني؛ أن الحياة الداخلية، تعاني ما تعاني من أزمة ثقة بين الدولة بمؤسساتها والمواطنين بعامتهم، واحتباس مسار الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وتآكل النخب وخواء الحياة السياسية الوطنية وفراغها.

وإن أردنا التوسع في إجراء المقارنة بين وضع الأردن في الأزمتين، يتعين علينا أن ندخل "العامل الإسرائيلي" على مشرحة البحث والتحليل ... في تلك الحقبة، وقبل علمية السلام وبعدها، كان النظرية الحاكمة للعلاقة الأردنية – الإسرائيلية تنطلق من فرضية "أن أمن الأردن واستقراره متطلب ضروري لأمن إسرائيل"، وأن وجود إسرائيل على امتداد حدود الأردن الغربية، يشكل عامل كبح في وجه تحديات الإقليم من حوله وتهديداته... هذه النظرية تغيرت تماماً اليوم، وقواعد اللعبة في طريقها للتغير كذلك، والسبب أن إسرائيل ذاتها تغيرت تغيراً دراماتيكياً، فإسرائيل اليوم، ليست إسرائيل ما قبل خمسة وعشرين عاماً، فمن كانوا على هامش الخريطة السياسية والحزبية فيها، باتوا اليوم، في موقع القلب منها، يعبرون عن "التيار المركزي" فيها، ويحظون بأغلبية مريحة في الكنيست، ويأتلفون في إطار الحكومة... ولا أنصح صناع القرار في الدولة ولا الرأي العام، بالركون إلى نظرية سادت طوال سبعين عاماً، فقد يأتي اليوم، وقد لا يكون بعيداً، حين تصبح "الفوضى" في الأردن، متطلباً ضرورياً لخدمة مصالح إسرائيل في الضم والتهويد وابتلاع الأرض وطرد السكان وقطع الطريق على فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

هي عوامل يمكن وصفها بالـ”Game Changers” ، والمؤكد أن ستدخل، ويتعين أن تدخل، عند أول مراجعة لمحددات وضوابط السياسة الخارجية الأردنية، فمن لا يحسب ألف حساب، لأسوأ السيناريوهات، لا يستطيع الاستفادة من أحسنها، بل وقد يسقط في الاختبار، إن هبت الريح بما تشتهي سفن الأحلام والرهانات والأوهام.

"لا تهويل ولا تهوين" عندما يتعلق الأمر بتناول التطورات الإقليمية والدولية من حولنا أو بعلاقات الأردن بحلفائه وأصدقائه وخصومه... ولا تقترح هذه المقالة، القفز من خندق إلى آخر، ولا استبدال حليف بحليف ... بل أن هذه المقالة، لا تقيم كبيراً وزناً لمفهوم الحلفاء والتحالفات، وتؤثر سياسة "النأي بالنفس" عن المحاور الإقليمية – الدولية المتنافسة والمتصارعة ... ولكننا أمام وضع فريد في علاقاتنا الإقليمية والدولية، يراوح ما بين "انعدام إحساس" الحلفاء بحاجاتنا ومخاوفنا ومصالحنا وحساسياتنا وتطلعاتنا من جهة واحتمال انقلاب بعضهم عليهم علينا، وتحولهم من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة من جهة ثانية.

مثل هذا الوضع، يرتب علينا، وضع استراتيجية متوسطة الأمد، قابلة للتطبيق والقياس، تُخرج الأردن من قائمة الدولة المعتمدة على المساعدات، وفي ظني أننا أمام هدفٍ ليس بعيد المنال، أو عصي على الإنجاز ... المهم أن تتوفر الإرادة والدراية للسير على هذا الطريق، وبقية الأمور تبقى من النوع القابل للحل والتذليل.
هي ضارة جداً، تلك المواقف التي صدرت عن حلفائنا، أو جرى التلويح بها، بيد أنها ضارة من النوع النافع، حين تصبح "جرس إنذار" لنا، يذكرنا بما تعين علينا فعله منذ زمن طويل، ألا وهو التخلي عن الاعتمادية في علاقاتنا مع الدول الأجنبية، عربية كانت أم أجنبية ... وثمة مروحة واسعة من الأفكار والخيارات والبدائل، التي يتداولها الخبراء، تجعل المرء أكثر اطمئناناً على المستقبل، أقله في المدى الوسيط والبعيد.

هي سنوات صعبة، وقد تكون عجافاً، سنعيشها ونتعايش معها، مهما كلف الأمر، ولكن شريطة أن يثق الأردنيون، بأن سنوات فقط، وليس نمط حياة مستمر، وأن ما يطلب إليهم تحمله، يجب أن تتقاسمه معهم "القطط السمان"، وان البلاد ضاقت بالفاسدين، ولم يعد لهم ملجأ من القضاء إلا إليه ... وان المواطن محترم في دولة سيادة القانون المدنية، وأن مواطنته، ومواطنته وحدها، هي أصل العدالة والمساواة في منظومة الحقوق والواجبات، وهي مصدر شرعية السلطة بمؤسساتها المختلفة، فهل نجرؤ على تحويل التحدي إلى فرصة، هل نجرؤ على القرار، وهل نعمل ولو لمرة واحدة، بمعزل عن ذهنية "الفزعة" و"الموسمية" البغيضة؟