مقالات > > لا تهويل ولا تهوين في أمر "التسريبات"

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2018-01-01
كتب عريب الرنتاوي

أن تطلع علينا وسائل إعلام، رديئة، وأحياناً وازنة، بحكايات ملفقة ومسيئة، ترددها بسرعة الضوء، وسائط التواصل الاجتماعي، فهذا أمرٌ اعتاد الأردنيون عليه وخبروه بين حين وآخر، وما "تسرّب" خلال الأيام القليلة الفائتة يندرج في هذا السياق، ولقد اتخذ "مسربوا" هذه الأكاذيب من قرار إحالة ثلاثة أمراء على التقاعد في إطار إعادة هيكلة القوات المسلحة، مناسبة لإضفاء قدرٍ من "الإثارة" و"الجدية" على تقاريرهم الصفراء.

على أنه يتعين علينا أخذ حكاية "التسريب" ببعض من الجدية، فهذه المرة تبدو مختلفة عن مرات كثيرة سبقتها، لجهة الظرف الإقليمي والدولي المحيط بالبلاد، فلأول مرة منذ أزيد من ربع قرن، يستقبل الأردن عامه الجديد، بعلاقات فاترة وقد تكون متوترة، مع أهم حليفين له، الولايات المتحدة على المستوى الدولي، وبعض دول الخليج على المستوى الإقليمي.

ومن قرأ التقرير "المسرب" يرى أن واضعيه، حاولوا جاهدين، اللعب على هذه النقطة بالذات، في إيحاء لا تخفى دلالاته على أحد، فهناك من يريد التأكيد على أن مواقف الأردن الأخيرة بشأن القدس وقرار ترامب، باتت تتسبب بضيق الحلفاء، وتبعث لديهم الرغبة في "اجتراح" التغيير، جرياً على نمط مألوف من "المقاربات" تفشى مؤخراً في الحياة السياسية العربية.

فالتقارير بشأن الرئيس الفلسطيني ومساعي تغييره والانقلاب عليه، ومحاولات "تخليق" وفرض قيادة بديلة عنه، لا تكاد تنقطع، وهي تكاثرت مؤخراً كالنبت الشيطاني، بعد الموقف الرافض لـ"قرار القدس" الذي اتخذته القيادة الفلسطينية، وقرارها بشأن وقف الاتصالات مع واشنطن بخصوص عملية السلام، وتأكيداتها المتواصلة على "انتهاء صلاحية" الراعي والوسيط الأمريكي في هذه العملية.

وقبل فترة ليست قصيرة، اشتعلت بعض وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، بأخبار وتقارير تحدثت عن محاولة انقلابية في قطر، وخضوع القصر الأميري في الدوحة لحراسة تركية مباشرة، حالت دون إتمام المحاولة، ونُظمت مؤتمرات واجتماعات لهذه الغاية، سعى المشاركون فيها لإظهار عزلة النظام و"ترنحه"، ودائماً بمواكبة إعلامية تفوق الحدث وتتخطى حدوده المتواضعة و"الشكلية" في غالب الأحيان.

أياً يكن من أمر، فإن من الجائز الافتراض أن المواقف التي اتخذها الأردن مؤخراً بخصوص القدس، لم ترض أطرافاً عديدة، إقليمية ودولية، راهنت على أن "اعتمادية" الأردن الاقتصادية على عدد من الحلفاء، لن تُبقي له خياراً سوى التساوق مع خياراتهم وأولوياتهم ... لكن هذه الأطراف ذاتها، فوجئت على ما يبدو بخيبة توقعاتها وسقوط رهاناتها وخطأ حساباتها ... هنا يمكن افتراض واحدٍ من سيناريوين: الأول؛ أن يكون مسربو الأخبار المفبركة اقتنصوا لحظة مناسبة، لبث سمومهم وترويج بضاعتهم من تلقاء أنفسهم، ومن دون دفع أو تحريض من أية جهة كانت ... والثاني؛ أن يكون هؤلاء قد فعلوا فعلتهم، بإيحاء وتشجيع من أطراف معينة، بهدف التشويش على الموقف الأردني، وإيصال رسائل إلى عمان، ودائماً في إطار سياسة "لي الذراع" الرعناء.

في كلتا الحالتين، يتعين الانتباه والحذر، وعدم الاكتفاء بالتعبير عن السخرية وعدم الاكتراث، وهذا ما لحظناه على أية حال في بيان الديوان الملكي، فالأردن كما قلنا، يستقبل عاماً جديداً في مناخات "انعدام اليقين" في تحالفاته الإقليمية والدولية، ولأول مرة منذ حرب الخليج الثانية ... والأردن يدخل سنة جديدة، وعلاقاته مع إسرائيل لم تبلغ يوماً هذا الدرك من الشكوك والمخاوف المتبادلة، وسط قناعة تزداد رسوخاً بأن الخريطة الحزبية الإسرائيلية، بدأت تزدحم بقوى وتيارات، غير مؤمنة بنظرية "أمن الأردن من أمن إسرائيل"، وأن بعضها ربما بدأ يرى أن مصلحة إسرائيل "اليهودية"، تقتضي نشر نوع من "الفوضى الخلاقة" في الأردن، أقله، للخلاص من كابوس الديموغرافيا الفلسطينية في الضفة والقدس.
شبكة الأمان الإقليمية والدولية التي تمتع بها الأردن لسنوات طوال، وتحديداً في سنوات الربيع السبع الفائتة، لا يبدو أنها تحتفظ بتماسكها وصلابتها كما كانت عليه ... ثمة شقوق وفتوق في هذه الشبكة، يتعين التعامل معها، والتحسب لتداعياتها، لا من خلال إشاعة حالة من الذعر والقلق غير المبررين، بل بتصليب جهاز المناعة المتوارثة والمكتسبة للدولة والمجتمع الأردنيين على حد سواء.

لا تهويل ولا تهوين ... لا تهويل في حجم الأخطار والتحديات والتحولات في البيئة الحليفة والصديقة، ولا تهوين من قدرها وأهميتها على حد سواء ... وحكاية التسريبات يجب أن ينظر إليها من هذه الزاوية، ومن هذه الزاوية بالذات، حتى لا يؤتى الأردني الحذر، من مأمنه