مقالات > > القدس ليست "مسألة جانبية" يا معالي الوزير

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2017-12-22
كتب عريب الرنتاوي

قد نفهم ألا تولي بعض العواصم العربية اهتماماً محورياً بقضية القدس، وأن تصرف جُل طاقاتها ومواردها في مواجهة ما تعتقده عدواً أكثر خطورة: إيران ... وقد نفهم أيضاً، أن تحجم بعض الدول العربية عن حمل أعباء هذا الملف "الثقيل" رغبة منها في عدم إزعاج حليفها الدولي الأكثر سطوة ونفوذاً: الولايات المتحدة... تلك أمور نفهمها وإن كنا لا نقبل بها.
لكن أن تكرس بعض هذه الدول، سيما الصغيرة منها، جُل اهتمامها في مواجهة الحملة التي يقوم بها الفلسطينيون والأردنيون والمصريون وعرب آخرون، ذوداً عن عروبة القدس ووضعها التاريخي والقانوني، فذلك أمر لا نفهمه البتّة، بل ومن حقنا أن نحيطه بكثير من علامات الاستفهام والشك والتشكيك.

معالي وزير خارجية البحرين، وفي تغريدة له على تويتر، نصحنا بتفادي المعارك الجانبية مع واشنطن، يقصد معركة القدس والأقصى والمقدسات والرعاية الهاشمية والوضع القانوني والتاريخي، والتركيز بدلاً عن ذلك، على توطيد أركان التحالف بين واشنطن وعرب الاعتدال، في مواجهة النظام الفاشي – الثيوقراطي – الإرهابي الإيراني.

القدس، ليس معركة جانبية يا معالي الوزير ... ومقدساتها ليست صفحة يمكن طيّها قبل أم نتناول طعام العشاء، ونغط في نوم عميق ... القدس أيقونة فلسطينية – عربية – إسلامية – مسيحية ... إن كنت لا تكترث لأمرها من منظور ديني أو قومي، فذاك شأنك، ولكن دع غيرك يهتم بأمرها، ولا تجعل من نفسك "مكابياً" آخر، ييسر أمر تهويدها وأسرلتها، في إجراء جائر وظالم، بحق التاريخ والإرث الحضاري والحق القومي والحقوق الوطنية المشروعة لشعب شقيق اسمه الشعب الفلسطيني إن كنت تذكر.

لسنا هنا في معرض المناكفة، ولا المزايدات والمناقصات، يكفيك أن ترى إجماع العالم حول رفض القرار الأمريكي بالاعتراف بها عاصمة لإسرائيل ... تكفيك التقارير التي تشير إلى أن نصف إدارة ترامب أو يزيد، لم تكن على وفاق مع الرئيس في قراره المذكور ... يكفي أن نذكرك بأن "نسبة" من الإسرائيليين واليهود، كبرت أم صغرت، لا فرق، استنكرت القرار وشككت في توقيته وحذرت من تداعياته، بل وطالبت بالتراجع عنه، فلا تجعل من مواقف بلدك، وأنت رئيس ديبلوماسيتها، أكثر فجاجة في التنكر للحق الفلسطيني والعربي والإسلامي.

أن يذهب وفد بحريني في زيارة "تطبيعية" بامتياز للأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي هذا الظرف بالذات،وتحت ستار خادع من "حوار الأديان"، فهذا شأنكم، وقد رد المرابطون في الأقصى على الزيارة المستنكرة، وقابلها أهل غزة على حاجز بيت حانون بما يليق بها، حتى أنها اقتصرت على زيارة "حائط المبكى"، الذي نذكركم بأن اسمه الأصلي هو "البراق"، ولكن أن يبلغ الأمر حد التصدي للجهد العربي والدولي الذي أعاد للقضية الفلسطينية اعتبارها على الساحة الدولية، وبحجة أنها معركة "جانبية" فتلكم مسألة لا تغتفر.

لا القدس، ولا فلسطين، تفصيلاً، يمكن أن يقدم على مذبح التقرب من واشنطن وكسب ود حكومة اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل ... ومن يريد أن يتصدى لإيران فله ذلك، وثمة حدود مفتوحة معها، وهي على مرمى حجر على أية حال، وليس ثمة من داع لمد اليد إلى حقوق الفلسطينيين ومقدساتهم وعاصمتهم، لتقديمها "أضحية" على مذبح التزلف والتقرب.

ندعوك للاهتمام بشأنك، ولديك ما يكفي من التحديات لتهتم بها، واترك القضية لأصحابها والمكتوين بنارها، وتذكر أن الأردن الذي يخوض اليوم معركة القدس والمقدسات والرعاية، لطالما وقف إلى جانب بلدك، وبصورة استفزت بعض الأردنيين أحياناً، لفرط انحيازها لحكومتك ... ولا تجعل من بلدكم الصغير والحبيب، "رأس حربة" ضد إجماع الشعوب العربية والإسلامية والأحرار والشرفاء في العالم.

وتذكر أيضاً، أن ليس من بين الفلسطينيين ولا الأردنيين، من كان يتوقع أن تتصدر حكومة بلادكم "جبهة الدفاع عن القدس وأكنافها"، ولكنهم كانوا يراهنون على الأقل، أن تلوذوا بالصمت، والصمت من ذهب كما يقول المثل العربي الدارج، ومن على قاعدة، إذا بُليتم فاستتروا.

الأردنيون اليوم، كما الفلسطينيون، يواجهون إعصاراً هائلاً، ويقفون على عتبات مفترق حاسم، وأقل ما ينتظرونه من أشقائهم، كلمة طيبة، فإن تعذرت، فصمت القبور هو أضعف الإيمان.