مقالات > > زلزال بن سلمان وارتداداته

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2017-06-23
كتب عريب الرنتاوي

بقدر ما كان الخبر متوقعاً بقدر ما كان مفاجئاً في الوقت ذاته ... محمد بن سلمان (31 عاماً) يحتل المركز الثاني في الهرم القيادي السعودي، متخطياً اثنين ممن شغلوا هذا الموقع خلال أقل من عامين ونصف العام فقط: مقرن بن عبد العزيز (يناير2015) ومحمد بن نايف (حزيران 2017)، في تطور غير مسبوق في تاريخ المملكة القديم والحديث.

قد تختلف الآراء بشأن الرحل وطموحاته ومقارباته الداخلية والخارجية وقد تتعدد المواقف تبعاً لاختلاف المواقع والمصالح ... لكن الأمر المؤكد أن محمد بن سلمان، بات ظاهرة تستحق التأمل والدارسة، إذ كيف لرجل واحد أن يحدث كل هذه التغيير، سواء في هرم القيام وسلالمها أو في التوجهات والسياسات الداخلية والخارجية للمملكة، وفي زمن قياسي قصير للغاية ... كيف أمكن لأمير شاب، أن يفعل ما لم يفعله أمراء سبقوه في شغل هذا المنصب، وتمتعوا بصلاحيات واسعة في حينه، وتحديداً أبناء الملوك منهم؟

اختلفنا مع الرجل أم اتفقنا معه، فالرجل لم يدشن مرحلة انتقال الحكم والسلطة في المملكة من الأبناء إلى الأحفاد، فقد سبقه إلى ذلك الأمير محمد بن نايف، لكنه الأول الذي يؤسس لانتقال الملك من الآباء إلى الأبناء، وبعد أن ظل تداول المُلك يتم أفقياً، بين الإخوة والأشقاء، صار عامودياً، بين الأب إلى ابنه، وتلكم سابقة سيكون لها ما بعدها، في دينامكيات تجديد الحكم والقيادة وعلاقات القوة وتوازناتها بين مختلف الفاعلين في هذا الحقل.

وإن لم يطرأ ما ليس في الحسبان، وتأسيساً على المعدل الوسطي لأعمال ملوك السعودية وأولياء العهد فيها، فإن الرجل قد يسجل أعلى رقم قياسي في حكم البلاد، بالنظر إلى صغر سنه، وقد يجد السعوديون أنفسهم مع ملك واحد طوال نصف قرن قادم أو أزيد قليلاً.

لكن التغيير الذي جاء به ولي العهد الجديد، يتخطى البنية الداخلية لمنظومة الحكم في المملكة إلى سياساتها الداخلية من اقتصادية واجتماعية، وسياساتها الخارجية والأمنية والدفاعية ... هنا لا يقل الزلزال الذي أحدثه الرجل، ومن موقعه الرسمي كرجل ثالث في هذه المنظومة، عن الزلزال الذي أستحدثه في "تقاليد" انتقال السلطة ... والأرجح أن أكثر ما يهم السعوديين وشعوب المنطقة، هو هذا الجانب في شخصية الرجل ومواقفه وتوجهاته.

خطته المعروفة بـ "2030"، وبصرف النظر على تفاوت المواقف حيالها واختلاف الرهانات بشأنها، تعد بنقل المملكة من عصر الاعتمادية الكاملة على النفط، إلى التنويع الاقتصادي، ومن "دولة الرعاية / الريعية الأبوية" إلى الدولة المعتمدة على ضرائب مواطنيها، ومن الاقتصاد المُسيّر والمملوك بكليته تقريباً من قبل الدولة، إلى الاقتصاد القائم على السوق والمنافسة والقطاع الخاص والاندماج في الأسواق العالمية.

أما على المستوى الاجتماعي، فخطته تقتضي، وإن بصورة غير صدامية، القيام بخطوات تحديثية في بنى المجتمع وثقافته وتقاليده، وتستبطن إضعاف المؤسسة الدينية المتشددة والنافذة في المملكة، وتمليك النساء قدراً أعلى من الحقوق والحريات، وربما الانفتاح داخلياً بصورة غير تقليدية، وبصورة تستكمل وتتجاوز ما بدأه الملك الراحل عبد الله بن العزيز، من خطوات إصلاحية على هذا الصعيد.

لا أحد يستطيع الجزم منذ الآن، حول ما إذا كانت خطط الأمير الإصلاحية ستنفذ وفقاً لأجندة "2030" أم لا، وليس لأحد أن يتنبأ بحجم المقاومة التي ستلاقيها من قبل قوى الأمر الواقع ومنظومات المصالح المتشكلة طول الثمانين عاماً الفائتة، منذ الاكتشافات النفطية الأولى ... ولا أحد يعرف كيف ستتصرف بقية القوى والشخصيات النافذة، من داخل المؤسسة والعائلة والمجتمع حيالها ... لكن ما يجري على هذا الصعيد، من المؤكد أنه سيطلق ديناميكيات جديدة، داخل الدولة والمجتمع، نعرف أنها بدأت، ولا نعرف متى ستنتهي أو كيف.

وعلى مستوى السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية للملكة، فإن حجم الزلزال الذي أحدثه وجود محمد بن سلمان في سياسات المملكة ومقارباتها، هائل كذلك ... فإليه تنسب "عاصفة الحزم" والحرب في اليمن، وإليه تعود سياسة "احتواء قطر وعزلها"، وهو صاحب مواقف "اقتحامية" بخصوص الملف الإيراني، إذ استبعد فرص الحوار والمصالحة معها، وتعهد بنقل المعركة معها إلى داخلها، بدل الاكتفاء بقتالها على الساحة العربية المفتوحة والنازفة ... هل سيواصل ولي العهد ما بدأه من سياسات على هذا الصعيد، أم أنه سيستدخل عليها بعض التغيير، سيما بعد أن عُقد له لواء قياد المملكة؟

نطرح هذه التساؤل، وفي الذهن ركام هائل من القراءات والتحليلات، التي طالما ربطت السياسة الخارجية السعودية الاقتحامية/ الهجومية في السنوات القليلة الفائتة، بالطموحات الشخصية للأمير الشاب، وبحسابات السلطة والتسابق عليها ... أما وقد حسمت المسألة برمتها، هل يمكن التوقع بأن نهجاً جديداً سيبدأ، وأن صفحة قديمة ستطوى في الحروب والنزاعات التي تنخرط فيها المملكة بكثافة ونشاط وإن بأشكال ومستويات مختلفة: (اليمن، سوريا، إيران ولبنان)، لتفتح صفحة جديدة بدلاً عنها، أساسها التسويات والمقايضات والتهدئات؟ ... أسئلة وتساؤلات برسم الأيام القادمة.