مقالات > > أين من هنا؟!

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2017-05-22
كتب عريب الرنتاوي

ثمة من يجادل بأن نجاح واشنطن – الرياض في تقديم هذا الاستعراض العالمي للقوة، والوصول بعلاقات البلدين الثنائية إلى ضفاف "التحول الاستراتيجي"، ليس سوى توطئة لإعلان حرب شاملة في الإقليم، تستهدف أولاً، إيران وحلفاءها، وتأخذ في طريقها "داعش" وأخواتها، من ضمن "حرب الإبادة" للجماعات الإرهابية التي قررت واشنطن خوضها ضد التنظيم الإرهابي.

والحرب الشاملة هنا، ليست بالضرورة، ومن غير المحتمل، أن تكون حرباً مباشرة مفتوحة على إيران، بل هي تصعيد غير مسبوق في وتائر "حروب الوكالة" المنتشرة في ساحات المواجهة المفتوحة في الإقليم، من لبنان إلى اليمن، مروراً بسوريا والعراق والبحرين، والهدف أولاً وأخيراً تقليم أظافر إيران وتقليع أنيابها، فيُستكمل بذلك "الشق الناقص" في الاتفاق النووي، واقعياً على الأقل، والمتعلق بالحد من نفوذ إيران في المنطقة.

ثمة من المؤشرات المبثوثة في ثنايا التصريحات الأمريكية التي سبقت ورافقت قمم الرياض الثلاث، ما يشي بغلبة هذا السيناريو ... تيلرسون يتحدث عن "منع الانقلابينّ من تحقيق الانتصار في اليمن"، وترامب يتعهد بتجاوز الفتور في العلاقة مع الحكومة البحرينية، وفي سوريا ثمة انقلاب في الموقف الأمريكي، لم يعد بعد ضربتي الشعيرات والتنف، مجرد مواقف للاستهلاك، بل سياسة واقعية وأوامر عمليات... أما في العراق، فالمسألة أكثر تعقيداً، وإن كانت السياسة الأمريكية فيه، لا تختلف من حيث محدداتها وأهدافها الكبرى، عن سياساتها في مختلف ساحات المواجهة والتصعيد.

مقابل ذلك كله، حصدت الإدارة الأمريكية، وبعقلية "رجل الأعمال"، وليس "رجل الدولة"، على أكثر مما كان يخطر في خيالها، وتولى "الصهر" جارد كوشنر، هندسة العملية برمتها، وإتمام الحسابات الختامية للصفقات الفلكية غير المسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية بين البلدين ... المليارات هنا يجري تداولها كما لو كانت بضعة قروش، والصفقات تكاد تلامس ضفاف النصف ترليون دولار، وفقاً لبعض الأرقام المتناثرة، عن حجم العقود المبرمة تلك التي تنتظر اللمسات الأخيرة.

لكن "سيناريو التصعيد" هذا، يصطدم بجملة من العوائق والعقبات، أهمها على الإطلاق، يتعلق بمصير إدارة ترامب ذاتها، وهي الإدارة الغارقة في الفوضى والفضائح وجلسات الاستماع والتحقيقات، والرؤوس المتطايرة من بين الطاقم المقرب من الرئيس ذاته ... حتى إن بعض المعلقين لم يستطع تفادي إغراء المقارنة بين رحلة ريتشارد نيكسون إلى المنطقة والتي انتهت بعزله على خلفية فضيحة "ووتر غيت" ورحلة ترامب إلى المنطقة ذاتها، والتي قد تنتهي بعزله إثر فضيحة "بوتين غيت".

لكن هذا العامل على أهميته، ليس التهديد الوحيد الذي يعترض "مسار القوة" الذي اختطته قمم الرياض الثلاث، فهناك أيضاً في المقابل، معسكر آخر، يتسم بالعناد وطول النفس، لم يرفع الراية البيضاء، وليس مرجحاً أن يفعلها في الأفق المنظور، على الرغم من المصاعب التي تواجهه وأطواق العزلة التي تحيط به ... ولقد دللت السنوات العشر الفائتة، أن هذا المحور يمتلك الكثير من أوراق القوة، مما لا يتوفر لخصومه وأعدائه.

 ثم أن هذا السيناريو الذي تدور جميع "حلقاته" على مسارح عربية، يبدو محمّلاً بأغلى الكلف الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، فحروب الوكالة الدائرة في المنطقة، ألحقت وتلحق أكبر الكوارث الإنسانية في بنى الدول والمجتمعات العربية، وهي تؤسس لحالة من التشظي والانقسام، لن يكون بمقدور أحد معرفة نتائجها على الأجيال القادمة ... وربما تشكل الكلف الإنسانية والمالية الباهظة لخيار التصعيد، عاملاً إضافيا يسهم في كبح اندفاعة اطرافه.

تفتح هذه العوائق الباب لسيناريو آخر، يجري التداول فيه بأصوات خافتة وسط هذا الضجيج الذي يصم الآذان لقرع طبول الحرب والتصعيد في المنطقة، ويستند إلى فرضية أن بناء القوة والتلويح بها وتعزيز القدرات الردعية، إنما يشكل مدخلاً وأرضية لإنجاز تسويات أكثر توازناً، من موقع الند للند، مع أطراف المعسكر الآخر، بعد أن بدا في سياق الأعوام الأخيرة، أن ثمة طرف منتصر وآخر مهزوم.

أصحاب هذه النظرية، يتحدثون عن ضعف قدرة الطرف الآخر (الروسي – الإيراني – السوري) على ترجمة انتصاراته العسكرية إلى مكاسب سياسية، لا في سوريا واليمن، ولا في العراق، مع تفاوت أوزان نفوذ هذا المحور بين ساحة وأخرى ... اليوم، وبعد قمم الرياض الثلاث، وما استبطنته من رسائل وما تكشفت عنه من تحولات في المواقف الأمريكية والإقليمية، تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت، للذهاب إلى تسويات واقعية أكثر توازناً، وبعيداً عن لغة الحسم والإقصاء الانتصارية التي طبعت خطاب بعض أركان المحور الإيراني.

لكن السيناريو الثاني، كما الأول، يفترض وجود إدارة أمريكية مستقرة وقادرة على متابعة هذه الملفات، والأهم، قادر على توفير ما يمكن أن يحفظ ماء وجه الجانب العربي في هذا التحالف، وهو ما سيتضح في القدس وبيت لحم تحديداً، عندما يشرع ترامب لأول مرة على نحو جدي، في فتح ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ... هنا الوردة فلنرقص هنا.