مقالات > > قصة المبادرة العربية

مقالات - منع من النشر- التاريخ: 2017-03-27
كتب عريب الرنتاوي

صبيحة اليوم لإقرارها، بدا أن أطرافاً عربية قد ضاقت ذرعاً بمبادرة السلام العربية المقررة في قمة بيروت، فبدأ اللغط يدور حول تعديلها و"اختصارها"، همساً وفي الغرف المغلقة تارةً وبصوت مرتفع كما على هامش قمة تونس تارة أخرى ... وللحقيقة والتاريخ، وقد كنت مواكباً لقمتي بيروت وتونس وكواليسهما، فإن المبادرة في صيغتها الأولى، كانت "متخففة" من البند الخاص باللاجئين الفلسطينيين، ولولا رئيس القمة، الرئيس اللبناني إميل لحود، الذي تتعامل بلاده بحساسية مفرطة مع مشكلة اللجوء الفلسطيني في لبنان، لما أدرج هذا البند في متن المبادرة.
 
الاقتراب من المبادرة العربية، دائماً ما كان يتم على نحو حذر، فلا أحد يريد المجازفة بإغضاب صاحب المبادرة، الطرف السعودي، بل وينتظر أن تأتي المبادرة بتعديل المبادرة، من جانب الرياض ... ولا أحد يريد في المقابل، أن يبدو في صورة من "باع" و"فرط" بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم غير القابل للتصرف في التعويض والعودة إلى وطنهم الأصلي ... لذلك ظلت كافة المحاولات الرامية تعديل المبادرة والهبوط بسقوفها، تتستر تارة باختزالها (طويلة جداً على حد تعبير أحد المسؤولين العرب)، أو أعادة صياغتها تارة أخرى مثلما يتردد اليوم.
 
ولأن الفلسطينيين بالنسبة لبعض العواصم العربية الكبرى، "حيطة واطية"، فإنه في غالب الأحيان، تجري نسبة الطلب بالتعديل إلى الفلسطينيين أنفسهم ... تماماً مثلما هو الحال بالنسبة لملف التطبيع العربي مع إسرائيل، فكل عاصمة تبرر صلاتها الدبلوماسية مع دولة الاحتلال، بـ "الحاجة" المقرونة بطلب فلسطيني ملح للتوسع في تطبيع العلاقات، وهذه المرة لا تبدو الصورة مختلفة، فالأمين العام للجامعة الذي تحدث عن إعادة صياغة بعض بنود المبادرة، نسب ذلك إلى الفلسطينيين وهو ما نفاه كبير مفاوضيهم، وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية.
 
لا يعني ذلك، حتى لا يساء الفهم، أن قيادة السلطة والمنظمة، ليست بوارد "المساومة" في موضوع اللاجئين، فهناك تيار قيادي عريض، يتبنى بحماس معايير كلينتون، التي تضمنت حلاً لقضية اللاجئين، لا يقوم على ممارسة "حق العودة"، واقترحت بدلاً عنه، عودة إلى مناطق السلطة أو الإقامة والتجنيس في بلد اللجوء أو إلى الانتقال إلى بلد ثالث، مع مراعاة دفع بعض التعويضات، في الحالات الثلاث المختلفة ... وفي المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، جرى قبول فلسطيني بتمكين عدد قليل فقط (رمزي) من اللاجئين من العودة إلى ديارهم الأصلية (داخل الخط الأخضر)، وعلى مدى سنوات عديدة، وفي إطار "لم شمل العائلات"، وبشروط شديدة التعقيد.
 
على أنني أظن، وليس كل الظن إثم، أن التعديلات أو إعادة الصياغة التي يجري التداول بشأنها هذه المرة، تدور حول موضوع اللاجئين أيضاً ولكنها تتخطاه إلى مواضيع أخرى، من بينها – ربما – إعادة ترتيب أولويات المبادرة، انسجاماً مع مشروع "الحل الإقليمي" الذي ازدهر في الآونة الأخيرة، في ضوء نتائج القمة الأمريكية – الإسرائيلية الأخيرة ... كأن يتوازى مسارا التفاوض الثنائي والإقليمي، واستتباعاً، أن يسير مسارا التطبيع الإقليمي والمفاوضات الثنائية، جنباً إلى جنب، فتلكم هي المقاربة التي يؤثرها سيد البيت الأبيض، الذي يتبارى الجميع في كسب وده، حتى وإن كان الثمن المطلوب دفعه، من كيس الفلسطينيين، وإرضاءً لإسرائيل.
 
وأستميح السادة والسيدات القراء والقارئات بالقول، مسبقاً والرواية على ذمة الراوي، والراوي هنا هو كاتب هذه السطور، بانه على فرض قبل العرب بالتطبيع مع إسرائيل، وقبلوا بخيار "الحل الإقليمي"، وتنكروا لقرارات الرباط التي نصت على اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، واستعادوا ولايتهم "القومية" على القضية الفلسطينية، فإن إسرائيل لن تكون مستعدة لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1967، وستظل تطالب بالمزيد من التنازلات في الوقت الذي تعمل فيه على مسار توسعة الاستيطان وزرع المزيد من المستوطنين، وتهويد القدس و"أسرلتها".
 
وفي التسريبات الإسرائيلية عن قمة العقبة الرباعية (البعض يقول أنها خماسية)، أن الجانب العربي عرض قبولاً بالإطار الإقليمي للحل والتفاوض، وقبل بـ "يهودية الدولة"، بمعنى أنه قبل بكل شروط نتنياهو المسبقة، لكن الأخير خرج من الاجتماع ولم يعد، ولولا التسريبات التي جاءت من واشنطن وأكدتها تل أبيب، لما عرفنا بكل هذا الذي جرى ... وفي ذلك درس بليغ عن خطورة مطاردة خيوط الدخان الإسرائيلية، إذ حتى بفرض العودة بالمبادرة إلى صيغتها الأولى، قبل القمة، ومن دون لاجئين، وبفرض القبول بيهودية الدولة، فإن الترويكا الإسرائيلية، ليست بصدد التخلي عن "يهودا والسامرة" وإخلائها من المستوطنات والمستوطنين، بل وليست بصدد وقف أو تجميد الاستيطان، وهي ماضية في ابتلاع أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان، تلكم هي الحكاية، وكل تنازل في غير مطرحه، لن يسهم إلا في فتح الشهية الابتلاعية الصهيونية لضم المزيد من الأرض ومصادرة ما تبقى من حقوق.